‎”‎اللاءات” خارطة طريق

 

عندما يتفاقم شقاء الناس، ويتقنع الحكام بالظلم، يكون ثمن السكوت انتكاسة الأمانة للحق. في لبنان، مصير الشعب ليس ثوباً مرقوعاً، وتهاون السلطة قليلها كثير، ولولا الخوف من جائحة التسمم لنادينا الى أكل المسؤولين. لكن الأصوات التي تعمل بمرجل الوطنية، إفساداً لانتشار الشر، وكتماً لإعصار الشياطين، هي كالزيت الذي يطفو على الدوام.

البطريرك الثقة، مبادرته كمن يفك أسيراً، بعد أن بطش الانهيار بأمان الوطن فحول وجهه أسود الصفحة. ولاءاته نداءٌ لم يأت عفواً، إلا بعد استهتارات الممسكين بخناق الدولة، وهم ثقوبٌ سوداء تثبت إقبال النوايا على تبني الباطل. هذه اللاءات لم تطلق لاستعداء أحد، بل لتقريب نهاية الأزمة، مرتجى كل الناس، ولإحداث نقلة نوعية من المدينة الفاسدة الى الجمهورية الفاضلة، استناداً الى منظومة القيم التي يكرسها الدستور، والتي يتحول المواطن، بالابتعاد عنها، الى مجرد رقم مظلوم.

أولى هذه اللاءات تشدد على الوفاء للوطن في محضه الولاء، والولاء مبدأٌ أخلاقي، أو قيمةٌ عليا تشكل جوهر الفضائل الوطنية، والذي يصل الى حد التضحية بالذات في سبيل حماية الكيان وكرامته. والدعوة الى الولاء المطلق للبنان، حث على رفض الخلط بينه وبين الولاءات الرديفة لبلدان ما وراء الحدود، وهذا سلوكٌ خطيرٌ يصدع مكونات الوطن، ويشوه سمعته، ويدمر ثوابته. إن استبدال الولاء للوطن بانتماءات بديلة، ولأهداف مشبوهة، لا يوصف إلا بالغدر، أليس حرياً أن ينبذ هؤلاء الخونة؟

من لاءات البطريرك، رفض استراتيجية قضم الدولة التي باتت على كف الخطر، مع تسرب أيديولوجيات وطروحات لا علاقة لها بالحقيقة اللبنانية. والقضم، في السياسة، هو الاستيلاء على القرار الوطني بوضع اليد على الدولة لهدم ما هو موجود، ليبنى على أنقاضه موجودٌ آخر. والقاضمون هشموا صورة الدولة، واستباحوا مؤسساتها، وقوضوا سلطتها، وجيروا لصالحهم قرارها، واستبدلوا شرعية نظامها بشرعتهم الدخيلة، واستبدلوها بدويلتهم المهيمنة. وهذا يعني، تماماً، الدخول في عصر استعمار جديد، ما يوجب، حتماً، دق جرس الإنذار.

ومن لاآت بكركي، عدم السكوت عن التدهور الدراماتيكي في عبث جماعة السلطة، وسلوكياتهم الملوثة التي فضحت حقيقتهم الفاسدة، ما أدى الى انهيار الدولة، وهدم هيكل الوطن على قاطنيه. فالحكام تمادوا في الظلم، والإجحاف، والنهب، والنأي بأنفسهم عن مشروع بناء الدولة، واستغلوا مواقعهم الرسمية لنحر الحق، والإطباق على الحريات، وبذلك بان إفلاسهم في قيادة البلاد، وتعرى دورهم الذي لم ينتج سوى ضرر تشويهي طال، بآفاته، أمان الناس وحظوة الوطن بالوجود الحر. الحاكمون ليسوا إلا ممتهني أزمات، وعصر انحطاط سفيهاً ألبس لبنان دموع الحداد. فليسقطوا، وليرحلوا الى غير رجعة.

ومن لاءات المبادرة، رفض تسييس القضاء، دفعاً الى سيادة القانون، والى مبدأ فصل السلطات، لإحقاق الحق بعد السقطة التراجيدية للممارسة القضائية التي لها مسبباتٌ و”أبطال”، والتي حولت القانون جيفةً يتناتشها أخطبوتيو السلطة. القضايا تنام في الجوارير، والبت بها يسوف عن قصد، ويزور مسارها خوفاً أو استرضاءً، وما جريمة المرفأ التي خرجت عن كل معقولية، وأدمت الوطن الذي بات يتجول في كفن ينزف رماداً، سوى الشاهد على تمكن أنياب الشياطين من رقبة القضاء، ليضيع جواز المرور الى الحقيقة، ولو الدامية. وهكذا، ينحر الفساد الحق، ليبقى القضاء في دائرة النار، فلا يستطيع أن يبدأ بإعادة إعمار وجوده. وفي هذا الصدد، اقرأ مواقف المسؤولين تفرح، عاين سلوكهم تحزن…

من لاءات الحل، رفض تحويل حياتنا مواسم ألغام، ملونةً بالدم. إن الجيش اللبناني الشرعي هو القوة الوحيدة المؤهلة للقيام بواجب الدفاع عن الوطن، وما تسلح سواه، تحت أي حجة ومسمى، إلا خرقاً للاستقرار، وإخفاءً لأهداف مشبوهة لا علاقة لها بمصالح البلاد والشعب على السواء. إن خطر السلاح غير الشرعي، بالإضافة الى تقويضه مشروع الدولة بإخضاعها لسياق “سلطاني” هجين، عطل تأليف حكومة من المستقلين تسعى الى إعادة ثقة العالم بلبنان لمد يد المساعدة الدولية والعربية للنهوض، وزج بالبلاد في صراعات المحاور، ونزاعات الأطراف، واغتال مفهوم الحياد الذي، لطالما، ارتد على لبنان استقراراً، وأماناً، ونهضةً، ورغد عيش. لا لتضييع السيادة والحرية وعافية الوطن، على فوهة سلاح يلحس من دم كرامة الأرض والناس. لا لسلاح غير مشروع يستغل في تغطية الفساد، وتعطيل الإصلاحات، وتوكل التهريب عبر المرافئ والمعابر، وبسط سلطة مافيا السرقة وتبييض الأموال، والإمعان في عقد الصفقات المشبوهة وجني السمسرات على حساب تنمية البلد. لا لسلاح يضرب مسيرة عدم الانحياز ويدفع بالبلاد الى وحل النزاعات الإقليمية والدولية، لا لسلاح يفرض شروطه على آلية تشكيل حكومة إنقاذية منتظرة ومطلوبة من الشعب.

إن تكرار عبارة ” لا تسكتوا ” المتوجهة الى الشعب، دليلٌ على إيمان سيد بكركي بالنظام الديمقراطي الذي يعطي الحاكمية للشعب، وبالتالي، لم تعد السلطة للعروش. فالشعب هو سيد نفسه، يشكل، مع الأرض والنظام، الكيان السياسي المسمى دولةً أو جمهورية. من هنا، فالشعب، في ” لا تسكتوا ” هو صاحب الحق لصناعة القرار، وإسقاط مسرحية الحكم الزائفة، ورفض المسكنات المتربصة بالمصير. ومن حق هذا الشعب أن يحظى بمستقبل موثوق في وطن حر لا تحبط فيه أحلام أجياله.

أيها الناس، “لا تسكتوا “…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل