لبنان ليس جائزة ترضية لأحد

 

يتخوّف بعض اللبنانيّين من أن يعيد التّاريخ نفسه عندما تمّ تفويض سوريا لإدارة لبنان بعد مشاركتها في حرب الخليج لتحرير الكويت. فدخلت يومها، وحكمت لبنان بالقضبة الحديديّة الأمنيّة اللبنانيّة ـ السوريّة لمدّة 15 سنة حتّى 26 نيسان 2005. وخرجت بعد المقاومة السياسيّة السلميّة التي قادتها بكركي وقتذاك. وبعد تلك المرحلة تمّ تكليف حزب الله بالمباشر للإطّلاع بالدّور نفسه الذي كانت تقوم به سوريا. واجه الحزب ما واجهه من مقاومة سلميّة سياسيّة لكنّه استطاع تقويضها بالترغيب في موضوع تأليف الحكومات التي تعاقبت في تلك المرحلة، حتّى اضطرّ إلى استخدام الترهيب مباشرة في 7 أيّار 2008، فأحكم قبضته على رقاب البلاد والعباد.

ويترقّب الحزب بحذر ملفّ المفاوضات بين النّظام الايراني والدّولة الأميركيّة، وينتظر بأنّ يفوَّض رسميًّا نتيجة هذه المفاوضات بإدارة الدّولة اللبنانيّة التي نجح بفضل تحالفه مع التيار الوطني الحرّ وتحالفاته الانتخابيّة التي أهداه إيّاها أعداء الأمس بالاطباق عليها. والحزب لا يخفي على أحد نواياه في اتّباع نهج ولاية الفقيه في حال وصوله إلى السلطة، كما كتب نائب الأمين العام، الشيخ نعيم قاسم في كتابه “حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل” في الصفحة 41 منه : “إذا ما أتيح لشعبنا أن يختار بحريّة شكل نظام الحكم في لبنان، فإنّه لن يرجّح على الاسلام بديلا. ومن هنا فإنّنا ندعو مباشرة إلى اعتماد النظام الاسلامي على قاعدة الاختيار الحرّ والمباشر من قبل النّاس، لا على قاعدة الفرض بالقوّة كما يخيّل للبعض… فنحن معذرون في أنّنا بلّغنا وأعلنّا موقفنا، وعلى النّاس أن يتحمّلوا مسؤوليّتهم في نظام الحكم الذي يختارونه.”

وتابع الشيخ قاسم طرح نظريّة حزبه في الصفحة 72 من المصدر نفسه رابطًا هذا الطرح بولاية الفقيه كالآتي: “هذه الولاية ضروريّة لحفظ وتطبيق الاسلام، فلا يمكن التعاطي مع المشروع الاسلامي الكبير بمبادرات فرديّة أو أعمال منفصلة عن بعضها البعض، بل لابدّ من خطّ عام يربط الأمّة عمليًّا مع بعضها البعض، وهذا الذي يتمّ من خلال قيادة الوليّ الفقيه ورعايته “.

السؤال الاشكالي هنا يكمن في عدم رؤية بعض من عادوا إلى السياسة من أبواب المنافي، أو من قبل الذين يعملون فيها بكونها شركة مساهمة لمصالهم الفرديّة. بينما الحزب يقود مشروعه بتروٍّ ولا يوفّر أيّ فرصة محليّة، أو إقليميّة، أو حتى دوليّة ليصل إلى مشروعه الواضح وضوح الشمس. والمشكلة تكمن في أنّ هؤلاء أنفسهم معميّو البصيرة السياسيّة. ولا ننسى تصريح سليماني بعد انتهاء الانتخابات النيابيّة وتشكيل الأكثريّة النيابيّة الحاليّة في لبنان، حينها قال بأنّ لبنان صار العاصمة الرابعة التي تحكمها إيران فعليًّا وبالمباشر.

لقد بات الحزب على قاب قوسين من الوصول إلى مشروعه، والمجتمع الدّولي يركن دائمًا إلى إرادة وحكم النّاس على ما قاله الرّئيس الفرنسي يوم سار في شارع الجميزة، بعد انفجار الرابع من آب المشؤوم، لدى مطالبته من قبل النّاس بإزالة هذه الطبقة السياسيّة فأجابهم: “هؤلاء نوّابكم وأنتم انتخبتموهم”. فالنّظرة الدوليّة واضحة. وما أقدمت عليه بكركي في ذلك السبت الأبيض يوم 27 شباط شكّل ضربة قاسية جدّا لهذا المشروع، حيث استطاع البطريرك الماروني بأن يدخل في البعد اللبناني الكياني من بابه الواسع، وأسمع صوت اللبنانيين الكيانيين إلى العالم أجمع. فالمواجهة الحقيقيّة إذًا هي بين هذين المشروعين الواضحين: لبنان الفقيه أم لبنان الرّسالة.

على ما يبدو نجاح تحرّك بكركي لن يقف عند الحدّ اللبناني. فالبطريرك مزمع أن ينقل صرخته إلى المجتمع الدّولي حتّى الوصول إلى الترجمة العملانيّة السياسيّة لها. والحزب بطريقته المعهودة بتسخيف الأمور، لم يدخل في سجال مع بكركي، ويسعى اليوم لاستثمار أوجاع النّاس الثائرة علّه يسجّل خرقًا حكوميًّا ما ليشتري المزيد من الوقت من أسواق المجتمع الدّولي التي تخضع للعرض والطلب بحسب ما تفرزه الديمقراطيّة عند حقّ الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا ما يتلاقى تمامًا ومشروع الشيخ نعيم قاسم.

حذارِ من متابعة الانقلاب الذي تحدّث عنه البطريرك الراعي لأنّه لن يكون هنالك أيّ طريق للعودة. والمسؤولون عن هذه الأبعاد مجتمعة هم الذين أُخضِعوا بالترغيب وبالترهيب. فالمطلوب ألا يخاف أحد من هذه المواجهة التي فُتِحَت على مصراعيها، لأنّ وجه، وهويّة، وكيانيّة لبنان هي الهدف، وهي على المحكّ. عليكم أن تحسنوا الاختيار وتعلنوا: أيّ لبنان تريدون؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل