6 رسائل في زيارة البابا إلى العراق

 

قد يعتقد البعض خطأ ان مفاعيل الزيارة البابوية للعراق حاليا على اهميتها ستبقى محصورة ضمن نطاق روحي إنساني، وانها لن تغير شيئاً في الوضع العراقي ومنه في وضع المنطقة بينما الحقيقة مختلفة تماما عن هذا الاعتقاد، اذ ان زيارة قداسة الحبر الاعظم البابا فرانسيس الى العراق تاتي كسياق حالي حاملة اطلاقة بوادر تغيير كبير في المنطقة وحاملة كنتائج مرتقبة ما سيؤدي الى قلب المعادلات انطلاقا من العراق إلى كل منطقة الشرق الاوسط.

أولاً : رمزية المدن التي يزورها البابا في العراق تكفي لاعطاء فكرة معمقة عن اهميتها، فبغداد (لتقوية رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي)، واربيل والموصل (لتعزيز النموذج الفدرالي تمهيدا لتثبيته لعراق الغد)، والنجف (دعم لمرجعية علي السيستاني في مواجهة مرجعيات قم الإيرانية) .

ثانياً: اهمية الزيارة الاولى هي في انها تأتي في عصر ما بعد داعش والانتقال حالياً من عصر داعش الى عصر مواجهة الميليشيات الايرانية في المنطقة بدء من العراق، ونذكر في هذا السياق بكلام لرئيس التحالف الدولي اثر القصف الاميركي لسوريا ردا على قصف اربيل وعين الاسد، حين قال ان اخطر ما نواجهه الميليشيات، فاذا لم يتم الانتهاء منها في خلال خمس سنوات كحد اقصى فان العراق ذاهب نحو التفتيت والتقسيم. زيارة البابا التي هي حدث غير متوقع بحد ذاته في هذه المرحلة وفي ظل الظروف العالمية الصحية والصعبة في العراق، تأتي للتأسيس لمرحلة جديدة وتغيير كبير ستبدأ معالمها بالتبلور على الساحتين العراقية والشرق اوسطية تباعاً.

والجدير ذكره ان زيارة البابا فرانسيس للعراق اتت بعد محاولة فاشلة لزيارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني عام 2000 في زمن الرئيس الراحل صدام حسين، اذ في حينه كان هناك قرار اميركي بإطاحة العراق وليس فقط صدام ونظامه. حينها العراق لم يقبل بالزيارة ولا كانت الادارة الاميركية في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون متحمسة لزيارة عراق متجه نحو الزوال، باعتبار أن اية زيارة بابوية في حينه كانت ستنتهي مفاعيلها مع انتهاء النظام العراقي ذاته.

أما اليوم وبعد مرور 21 سنة وفي لحظة دولية اقليمية دقيقة ومصيرية، تسعى فيها ادارة الرئيس جو بايدن الى ترتيب اتفاق مع ايران تدفعها باتجاه غورباتشوف ايراني يغير الدولة الايرانية باتجاه  الداخل، تأتي زيارة قداسة البابا لتزيد من احراج طهران المتضررة الوحيدة من الزيارة مع ميليشياتها وهي التي تعجز الى الان خصوصاً الحرس الثوري وميليشياته، عن مواجهة ادارة بايدن كما عجزت عن مواجهة ادارة الرئيس دونالد ترمب.

ثالثاً: منذ هجرة اليهود من العراق في الخمسينات وظهور نموذج الاستقطابات العقائدية القومية والبعثية والناصرية والطائفية بين مسلم وغير مسلم وبين مسلم قومي ومسلم عقائدي ديني، تأتي زيارة قداسة البابا فرانسيس لتطرح احتمال خروج العراق ومعه المنطقة من دوامة الحروب والاضطرابات والانقلابات والقلاقل التي عاشتها المنطقة خصوصاً العراق منذ 1958 الى يومنا هذا (63 سنة من الصراعات). فرسالة البابا تنطلق من حقيقة ان العراق اعراق بحيث لا يصلح فيه حكم مطلق سواء اكان هذا الحكم عسكرياً ما قبل 2003 او فوضوياً مع الميليشيات بعد 2003. الاعراق تحتاج الى التعايش والحوار بما يعزز النموذج الفدرالي القادر وحده على صهرها من ضمن دولة واحدة موحدة.

من هنا عمق الرسالة من زيارة البابا الى الموصل واربيل للتأكيد على الا حل للعراق الا بالفدرلة بين الاعراق، خصوصاً اننا على ابواب تقلبات عسكرية واستراتيجية انطلاقا من معركة سنجار المرتقبة. فنجاح كردستان العراق من العام 1991 لغاية اليوم يعزز نموذج الفدرلة، وبالتالي، تنطوي حيثيات الرسالة البابوية على التنبيه من خطورة استمرار حكم الميلشيات الرافضة لنقل العراق المركزي الى عراق لا مركزي وفدرالي دستوري لا تحكمه تلك الميليشيات.

رابعاً: المستفيد الاساسي من زيارة البابا الى بغداد رئيس وزرائها مصطفى الكاظمي الذي أتت التطورات الاخيرة من انزال قوات الناتو الى التحالف الدولي الى اتصال الرئيس الاميركي جو بايدن به منذ ايام وصولا الى زيارة البابا وسواها، لتعزز دوره المحوري في انقاذ العراق وقيادته وسط العواصف نحو الشاطىء الامين. فالكاظمي يعاني من خناق ايراني كبير مع ميليشياتها في العراق، واية مبادرة دعم بمستوى زيارة البابا تعطيه دفعاً كبيراً لتقويته في المواجهة.

خامساً: الرمزية النجفية. زيارة البابا فرانسيس لاكبر مرجع شيعي في العالم (علي السيستاني) يعد بمثابة فاتيكان الشيعة في العالم ترتدي اهمية تاريخية وسياسية متقدمة جداً، فكما ان دولة الامارات العربية المتحدة التي هي رأس الحربة في مواجهة الاسلام السياسي والتطرف السني، استضافت قداسة البابا وشيخ الازهر للتوقيع على وثيقة الاخوة الانسانية، هكذا العراق المتصارع مع التطرف الشيعي وميلشياته الايرانية التي تحاول حكمه، تستضيف قداسة الحبر الاعظم للقاء المرجع الاكبر علي السيستاني للتوقيع على وثيقة اخوة ومحبة وانسانية ترسم خريطة طريق مستقبلية للتعاون والسلام في المنطقة والعراق، ما سيجعل السيستاني رأس الحربة في مواجهة التيار الشيعي السياسي الجهادي المرتبط بولاية الفقيه. فزيارة البابا فرانسيس للنجف والمرجع السيستاني اكبر دعم للنجف في مواجهة الميليشيات الايرانية ودعم للشيعة الذين لا يقبلون بدمج الدين بالسياسة.

سادساً: الرمزية الابراهيمية. بزيارة مدينة اور، انطلاقاً من ان الاديان السماوية الثلاث التوحيدية اليهودية والمسيحية والاسلام مرجعهم واحد وأصلهم واحد (إبراهيم).

فتعايش هذه الاديان اثبت قابليته بمجرد الفصل بين الدين والسياسية، وآخر شاهد على ذلك الاتفاقات الابراهيمية بين العرب واسرائيل، والتي نقلت الشرق الاوسط من واقع الى واقع اخر مختلف تماما وتشكلت معها منظومة امنية اقليمية نقيضة كليا لسابقاتها احبطت معها مبدأ تحالف الاقليات العابرة للحدود سواء عبر قيادات قطرية قومية او بعثية او ناصرية او ميليشياوية ايرانية واحبطت الهلال الايراني معها. اية دولة تخرج عن حدودها لا تكون دولة طبيعية، والتحدي الذي يواجه السنة والشيعة في العراق ومن خلالهم الشعوب العربية في هذه المنطقة هو في جعل ارتباطها بالارض اساس الهوية لا بداعش ولا بالقاعدة ولا بالحشد الشعبي او جيش المهدي، فالربط الجغرافي هو الاساس على الربط التاريخي والخروج النهائي من منطق حلف الاقليات ضد الاغلبيات.

الرسالة الابراهيمية تقرب المسافات بين الاديان السماوية الثلاثة وتشير الى بداية حقبة تحالف اسرائيلي ـ عربي ـ اوروبي الذي يراد له ان يكون في اساس بناء الشرق الاوسط الجديد. فالاديان اديان محبة وسلام لا اديان حروب واقتتال وكراهية.

بهذه الرسائل التأسيسية أتت زيارة البابا فرانسيس للعراق، فزرعت بزور السلام التي ستنبت لا محال مواسم خير وسلام ولكن بعد مخاض كبير لا يزال ينتظرنا.

وتبقى غصتنا اللبنانية من تأجيل زيارة قداسته للبنان، الشبيه جدا بالعراق ووضعه، موجودة، مع يقيننا بأسباب التأجيل، ذاك ان البابا رأى في حكام العراق ابطال معركة انقاذ شعبهم ودولتهم بينما لم يرى الى الآن في حكام لبنان الا طبقة حاكمة فاسدة مأجورة تغرق البلاد والشعب في أسفل جهنم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل