البابا فرنسيس وأبديّةُ الأُخُوَّة

 

عندما يحكى عن القديس فرنسيس الأسيزي، يحكى عن المسيحيّة في بساطتها، عن التنافس في الخدمة، عن حياة الفقر الاختياري، عن تكريس الذّات لصنع الخير للإخوة في الإنسانيّة باسم المسيح، عن عدم امتلاك أكثر من عباءة وكتاب مقدّس، وعن ترنيم لا ينقطع بمحبّة الله.
وعندما اختار الحبر الجديد اسم القديس فرنسيس، فلأنّه أراد أن ينتمي الى رجال الله الفرحين، ولأنّه يريد أن يكسب الآخر بالمحبّة لأنّ الله يفضّل الرحمة على الذّبيحة.
أمام الصّليب، وقف الحبر فرنسيس بانخطاف وكأنّه في حوار مع ربّ الفداء، حوار قصير أسّس لمسيرة، قال فرنسيس “أنت راعيّ فلا يعوزني شيء”، وأجابه المعلّق “اذهب وأصلح بيتي”، وفهم فرنسيس الرّسالة، وتبع الربّ.
هذا “البابا” الأسّيزي ذو الرّوحيّة الإنجيليّة، والذي فتحت الصّلاة قلبه على آلام العالم، مشروعه القدسيّ أن يترك حيث يمرّ نفحة سلام ومصالحة، وأن يجدّد الكنيسة من الدّاخل.
وهما أمران لا يمكن أن يعظ بهما بالكلام، بل بالمثل والأداء، وبهما يتبرّر، وهنا تكمن الصعوبة. لكنّ تساميه بالفضيلة وبالتواضع، وهما رأس المعرفة، سيكسبه نعمة ربّه بصنع العجائب، ولا سيّما أنّ الله لا يهوى التماثيل.
لقد أظهر الله ذاته للبابا عندما تمّ اختياره حبراً للكنيسة، فحمّله كلمة الحياة، ونقّى نفسه لتكون مسكناً للروح القدس، ورسم فرح الرّأفة في وجهه وهي أفعل من البلسم، وأوصاه ألاّ يتّخذ من الدنيا سيّداً لئلاّ تتّخذ منه عبداً لها، فليس وثاق الحديد أشدّ تقييداً من حبّ الذّهب. والله مأثورةٌ حِكَمه، وتحصيل حكمة الله خيرٌ من اللآلئ.
يا أبتِ المتواضع، إذا كانت الفلسفة أسمى المعارف، وتشاطر الإيمان في حيّز الحقيقة، فالتواضع أرقى، وبه وحده تُغلَب الفلسفات. والبِرّ أن تمسك بيد العبد والأبرص والبائس في رحلة روحيّة صوب القداسة وصوب الخير المحض، فكأنّك ترى الله وترث الأنبياء، وجزاء الخير في الخير نفسه، فبه ينكشف مفتاح الحكمة ومتعة مشاهدة الطّريق والحقّ.
وإذا كان الطّاهر يرتفع بعمله ويحصد صلاح قلبه، ولا يطهّر أحدٌ أحداً، فعلى من يرغب أن يرتدي جبّة خادم للهيكل، أن يطهّر ذاته ليكون خليقاً بذاك الرّداء، وإلاّ فالبكاء على الأحياء متواصل. وإذا كانت الكنيسة تقبل الخطأة الذين يؤبّدون في شرايينها طقوس الحزن، فهي ليست أقلّ منهم قوّة، فنبلها قضيّة سلوك وشخصيّة، وقانونها الإستراحة في المحبّة، ويخطئ من يحسب أنّ المحبّة لا تنقل الجبال وتصحّح النفوس. والكنيسة ليست كياناً يسمو على النّاس، بل هي نفعهم وهدأة بالهم ومرشدتهم لفهم معنى الحياة، من هنا، فالكنيسة وحدها تعيد للمخطئ بحقّ السماء، مَن يتوجّه اليه بالصّلاة، وهذا أرفع التفوّق الذي مصدره الله.
فيا أبانا الأبيض، يا أيّام الآحاد في أسابيع العالم، أنت تعرف ما هو الأبديّ فتعرف إذاً ما هو الصّالح، قدرك يا أَليَن الناس أن تصدم أصلبهم من دون أن تقيم معرضاً لعظمتك، وأن تدخل الى القتلة في قلوبهم، هؤلاء المعجبين بأدوات الشرّ، لتخمد بطهارتك، وهي سلطان المُرسلين، تنافسهم على التّاج. وإذا كان الله يلتمس الرّجل لملء المركز، فانتصار الله بك كان للبراءة، وأقرباؤك في البراءة قِلّة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل