
لم تستغرب مصادر سياسية الهجمة الإعلامية لرئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، باعتبارها من “تجليات أزمة انعدام التوازن والثقة بالنفس”، مذكرةً بأنه “كان قد استعان بشركات دعائية لإعادة تكوين صورته السياسية بعدما هشّمتها ثورة 17 تشرين”، وقد يكون شكل الإطلالة المطوّلة أمس من “بنات أفكار هذه الشركة” لعلها تعيد الاعتبار لأسهمه المتهاوية في بورصة “الرايتينغ”، أقله شكلاً من خلال تصويره على أنه لا يزال “على قيد الحياة السياسية”.
أما المضمون، فرأت المصادر لـ”نداء الوطن”، أنه عكس محاولة يائسة متجددة للتنصل من المسؤوليات والنأي بالنفس عن فساد “المنظومة الحاكمة”، فكان “حساب حقل الشعارات الإصلاحية التي أطلقها باسيل بالأمس، غير متطابق بأي شكل من الأشكال مع بيدر الأداء على أرض الواقع، حيث يشكّل عهده الرئاسي وأكثريته النيابية والوزارية العمود الفقري للمنظومة الحاكمة، بل كان في طليعة من غنموا من مكاسبها السلطوية التحاصصية رئاسياً ووزارياً وإدارياً على امتداد الأعوام الخمسة عشر الماضية”، بينما في ما يتصّل بملف الهدر والفساد “فتتحدث صفقات السدود والبواخر عن نفسها وعن كلفتها على الخزينة والناس، لتكون نتيجتها عجزاً بمليارات الدولارات بلا أي نقطة ماء ولا ذرّة كهرباء”.
والأخطر بحسب المصادر، أنّ “الورقة السياسية” التي تلاها رئيس التيار الوطني الحر أمعنت في تشويه المبادئ السيادية التي ينادي بها البطريرك الماروني، بحيث “ضرب مفهوم الحياد اللبناني عن أزمات المنطقة ببدعة التحييد الانتقائي للبنان، ليبقى الموضوع حمالاً للأوجه يتناسب مع ما يناسب تطلعات محور الممانعة”، موضحةً أنّ ما قاله في هذا المعنى عن رفض “انغماس لبنان في قضايا لا مصلحة له فيها هو مفهوم مفخّخ بحد ذاته، بحيث يبقى قابلاً للتأويل ليصبح على سبيل المثال تدخل حزب الله في سوريا أو في غيرها من الساحات تدخلاً ذا منفعة للبنان، على أساس أنه يمنع تمدد الأعداء إلى داخل حدوده كما كان “الحزب” يبرر باكورة معاركه العابرة للحدود في القصير، وهو ما عاد وأكد عليه باسيل نفسه ليلاً في حواره التلفزيوني من خلال إبداء تفهمه لأحقية معركة القصير”.
وكذلك في مبدأ حصرية السلاح بيد الشرعية وضرورة وضع استراتيجية دفاعية لتحقيق هذا الهدف، جاءت مقاربة باسيل “من زاوية تكريس ترويج “حزب الله” لفكرة أنّ الجيش اللبناني قاصر عن الدفاع لوحده عن البلد”، فبدا في طرحه كمن يسوّق لوضع “استراتيجية دفاع عن سلاح الحزب بذريعة افتقار الجيش إلى “الأسلحة اللازمة”، وذلك من خلال تشديده على ضرورة اعتماد استراتيجية تحافظ على عناصر قوة لبنان للحفاظ على توازن الردع مع إسرائيل، مع الاحتفاظ بحق الدفاع المشروع عن النفس والمقصود هنا بطبيعة الحال تأبيد وضعية السلاح ومنحه غطاءً شرعياً من الدولة، كما في جاء في ورقته السياسية عن مفهوم حماية لبنان، قبل أن يحذر ليلاً بصريح العبارة “وبرفع الإصبع” من أي محاولة لنزع سلاح “حزب الله” باعتبارها ستقود إلى حرب داخلية تمتد تبعاتها إلى الإقليم”.
وفي الملف الحكومي، كلام “طوباوي” من باسيل حول ضرورة تشكيل حكومة المهمة الإنقاذية والإسراع في تأليفها، نافياً أن تكون لإيران مصلحة في منع ولادتها، مقابل اتهامه رئيس الحكومة المكلف بأنه “يضع ورقة التكليف في جيبه ويجوب العالم” بينما هو ينتظر الضوء الأخضر الخارجي للتأليف، معتبراً أنّ الغاية الرئيسية هي إضعاف العهد، سواء من خلال عدم تشكيل الحكومة وتركه يسير في منحى “انحداري” أو تشكيلها ومحاصرته من داخلها عبر عدم منحه قدرة تمثيلية في مجلس الوزراء.
وخلص من هذا المنطلق إلى توجيه “رسالة” مضادة للرئيس المكلف، أكد فيها على أنّ رئيس الجمهورية ميشال عون “لازم يعمل شي” في مواجهة هذا المخطط، إن كان بالدعوة إلى “استشارات أو مشاورات جديدة” في قصر بعبدا، أو بتوجيه “رسالة” إلى مجلس النواب للبحث في سبل إيجاد مخرج لأزمة “التكليف والتأليف”.