
في خضم المشهدية المتحركة بقوة في المنطقة، تطرح في أروقة القرار الإقليمي والدولي عدة صيغ لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وترتيب أوضاعه المتفجرة للعشرية المقبلة. ومن بين هذه الصيغ امكانية تأسيس منظومة إقليمية أمنية ـ عسكرية أو جبهة للدفاع الإقليمي تتولى مواجهة أهم تداعيات التوغل الإيراني في دول المنطقة ألا وهي الميليشيات التابعة لطهران والمنتشرة في عدد من الدول العربية من العراق الى سوريا واليمن فلبنان.
في هذا السياق يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
أولاً: تشهد المنطقة ظاهرة عسكرية متصاعدة لم تشهد مثيلاً لها إلا نادراً في الماضي ألا وهي ظاهرة قصف المدن العربية بصواريخ ومسيرات تزرع الرعب والتدمير في عدد من المدن العربية لا سيما في المملكة العربية السعودية التي لم تعتد يوماً على مثل هذا النوع من المخاطر والتهديدات المستمرة والضاغطة على أمنها الداخلي وسلامة مواطنيها. فهذه الظاهرة دفعت إلى الأمام أولوية مواجهة الخطر الميليشياوي لوكلاء إيران في المنطقة، بعدما ثبت ان مجرد رفع ادارة الرئيس الاميركي جو بايدن الحظر على ميليشيا الحوثي كمنظمة ارهابية أطلق العنان لهم لإمطار السعودية بوابل من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على نمط شبه يومي متواصل. فظاهرة قصف الحوثيين المتمادي لمدن المملكة وقدرتهم على قصف اية مدينة عربية او خليجية طرح بقوة مسألة وكلاء ايران في المنطقة، وبات السؤال حول كيفية التخلص من خطر الميليشيات.
ثانياً: مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب تحقق أمران: الاول ارغام إيران عبر التشدد في العقوبات القصوى وانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي ومقتل سليماني والمهندس، لكن الميليشيات بقيت واستمرت فاعلة على مساحة بلدان المنطقة.
ومع الرئيس بايدن وإدارة الانفتاح على إيران بطريقة تختلف عن اسلوب الرئيس الأسبق باراك اوباما، لم تلحظ حكومات المنطقة، حتى الآن أقله، حماسة أميركية للقضاء على التهديد الميليشياوي لدول المنطقة، ما ولّد لدى أنظمة المنطقة قناعة بأن واشنطن غير مهتمة بما تعانيه المنطقة من إيران بقدر اهتمامها بما تريده هي من الجمهورية الاسلامية في إيران، فتوصلت أنظمة المنطقة إلى ضرورة أن تقلع شوكها بيدها في مواجهة خطر وكلاء إيران.
ثالثاً: هذه الأجواء مهدت على ما يبدو، لولادة فكرة تأسيس ناتو إقليمي، أو منظومة جماعية إقليمية تحالفية عسكرية وأمنية ـ عربية ـ إسرائيلية من دون انتظار ما تريده او ترسمه واشنطن للمنطقة. فقوة الميليشيات ليست فقط مستمدة من التسليح والدعم الإيراني لها، بل وأيضاً من كون طهران نفسها نموذج رفض الدولة الوطنية المثبتة في المنطقة منذ 100 عام (منذ العام 1920 )، تلك المنطقة التي عاشت زمن الامبراطوريات سابقا، والتي حلت محلها في ما بعد الدول والكيانات الدولاتية، التي ما لبثت هي نفسها ان ناصرت العداء لفكرة الدولة الوطنية واستبدلتها على مراحل تاريخية وحقبات سياسية بعقائد وتوجهات رافضة للدولة الوطنية والتي ارتدت على العرب وبالا ومشاكل وقلاقل وحروب، لم يكن ظهور دولة إسرائيل في العام 1948 سببها الوحيد، بل تناوب العرب في اظهار عدائهم للنظام الدولي منذ العام 1920، ثم فكرة سوريا الكبرى (الهلال الخصيب) والاتحاد الهاشمي ثم الوحدة العربية وصولاً إلى الهلال الإيراني، مروراً بجمال عبد الناصر، فصدام حسين، ومعمر القذافي، فحافظ الاسد، وجميعهم رفضوا فكرة الدولة الوطنية والنظام الدولي لكنهم فشلوا في إقامة أنظمة حكم قوية ومتطورة ومتقدمة وقابلة للحياة والاستمرارية. رفضُ العرب للدولة الوطنية أدى إلى رفضهم إسرائيل كما أدى الى رفض النظام الدولي لكن من دون تقديم أي بديل قابل للحياة.
وما زاد وضع العرب سوء، انهم راحوا يتحاربون ويتقاتلون، فأين أصبح مصير الوحدة العربية (بين مصر وسوريا مثلاً)، وأين أصبح حزب البعث (وقد انقسم إلى قسمين عراقي وسوري وتقاتلا) إلى أن استولت طهران على بغداد ودمشق. سقوط العقائد والنظريات القومية والدينية والعسكرية السلطوية والعقل الجهادي سواء السني أو الشيعي أدى إلى انهيار مقومات منظومة المناعة العربية الداخلية في مواجهة النظام الدولي ونظام الدولة الوطنية.
رابعاً: بات من الثابت والجلي أن جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، بقيتا حبراً على ورق من حيث التفعيل والفعالية طوال 70 عاماً، وقد فشلت هذه المنظومة العربية في حل مشاكل واشكالات البيت العربي وفي مواجهة اسرائيل لاحقاق حق الشعب الفلسطيني في وطن ودولة، فكان من الطبيعي ان يأتي ترمب ويحقق بداية صلحاً اقليميا اشمل: صلح عربي ـ إسرائيلي، وصلح قطري ـ خليجي محاصراً إيران إلى حين التفرغ لها وحل مشكلتها.
المنطقة اليوم أمام حقيقة لم تكن في البال والحسبان لسنوات خلت: تقارب وتحالف عربي ـ إسرائيلي في مواجهة عدو مشترك واحد: ايران، إذ إن إسرائيل لم تعد عدوة العرب بل ايران، وقد انقلبت المشهدية الاقليمية رأساً على عقب.
فهل أضاع العرب الوقت والجهد والمال في محاربتهم إسرائيل طوال 70 عاماً بدلاً من الاتفاق معها منذ البداية وانتزاع ما أرادوه بالدبلوماسية بدل القوة غير المتكافئة؟
المشكلة اليوم مع إيران والعرب المتحالفين معها، لا بل بين فكرة الدولة الوطنية التي عادت إليها دول عربية أساسية كمصر والسعودية والامارات والبحرين والسودان والمغرب وغيرها، وبين فكرة اللادولة التي تمثلها إيران بوكلائها الإقليميين.
المنطقة اليوم أمام صراعين أساسيين عليها: الأميركي الصيني الروسي والأميركي الأوروبي الإيراني، ما يعني أنه لم يعد يكفي تشكيل تحالفات عسكرية موضعية مؤقتة لمواجهة مشكلة واحدة (كما التحالف الدولي ضد القاعدة أو داعش)، بل أصبح لا بد من تكوين هيكلية دفاعية أمنية عسكرية دائمة، خصوصاً مع إدارة ديمقراطية تريد تشكيل ناتو رباعي ضد الصين (مكون من استراليا، واليابان والهند، وكوريا الجنوبية، ما يمكن تسميتها جميعها بدول الطوق الصيني) كما تريد تشكيل ناتو عربي ـ إسرائيلي في الشرق الأوسط يمكنه الاهتمام بمعالجة مشكلة المليشيات الايرانية غرب آسيا، فيما تتولى الإدارة الأميركية رمي إيران او استدارتها لجهة الصين وباكستان.
من يتكلم عن ناتو يتكلم عن هيكلية مواجهة وتحالف دائمين، اي امن جماعي يحل مكان استفراد دول لوحدها لجرها الى مواجهات جانبية، إذ إن أبرز نتيجة لناتو إقليمي أن أي اعتداء على أية دولة سيعني اعتداء على كافة الدول المتحالفة من ضمن هذا الناتو الاقليمي، ما يعني أيضاً تأسيس تكتل عربي مثلاً يدافع عن إسرائيل إنْ تعرضت لهجوم او لخطر كما تدخل إسرائيلي للدفاع عن الدول العربية (جبهة أمن جماعي تضامني متحالف ومتحد).
خامساً: في المنظور الجيو سياسي والجيو استراتيجي، قد تشهد المرحلة المقبلة على المنطقة سيناريوهات سريالية من النوع الذي ذكرناه اعلاه واكثر، خصوصاً في ظل قناعة لدى مجالس الأمن القومي في واشنطن ودول المنطقة في أن مقارعة إيران ستكون لإعادتها إلى الدولة الوطنية، الأمر الذي لن يتحقق ما دامت الميليشيات موجودة، وقد افهم الحرس الثوري قادة تلك الميليشيات انهم وجدوا ليبقوا ولو تغير النظام في طهران، وهو لن يتغير ما داموا الحراس الثوريين ممسكين بزمام القرار الاستراتيجي للجمهورية الاسلامية.
في المقابل، هل يكون منتدى المتوسط للغاز دعامة الناتو الإقليمي المقبل؟ وهل أوروبا قادرة على الاستغناء عن روسيا بغازها وبترولها؟ فالصراع الروسي الأميركي الأوروبي على الشرق الأوسط يتوقف مصيره على حل هذه الاشكاليات خصوصاً أن أية منظومة أمن إقليمي جماعي ستكون بحاجة إلى سوق اقتصادي مالي كبير يربط القارة العجوز بالشرق الأوسط اعتبارا من اليونان، فقبرص، فمصر، واسرائيل، والأردن وصولا إلى الخليج. والسؤال هنا هل يتأثر لبنان واليمن ايجابا بمساعدة تلك المنظومة الاقليمية الجديدة؟
ما هو أكيد أن تشكيل مثل هذه المنظومة الإقليمية ليس غداً، بل أمامنا عقدان او ثلاثة من الزمن لوضع الأسس، لكن الاكيد أن إيران بدأت من الآن تستشف خطورة التقارب العربي الإسرائيلي عليها وبداية مؤشرات تطويق جيو سياسي لها.
ورقة الحرب موضوعة على الطاولة ضد الميليشيات، بموازاة ورقة التمني الإقليمي من أعلى هرم الأنظمة الإقليمية (مؤسسات ومراكز الحكم والقرار ) إلى أسفلها (البنى التحتية الاقتصادية والاستثمارية والمالية)، ومن أسفلها إلى أعلاها، بحيث سيكون للمواطن العربي مساهماته في تمويلها وتمويل المنظومة الإقليمية الجديدة.
السعي قائم لانهاء الحالة الميليشياوية في المنطقة خلال خمس سنوات، ماذا والا ستذهب المنطقة إلى التمزق. مقبلون على التخلص من تلك الميليشيات الإيرانية وإعادة تشكيل المنطقة، والناتو الإقليمي أول الغيث.
