
الحنين لأيام القناديل والبرغل والخبز المرقوق، لا يبدو أنه سيطول أكثر من شهرين، إذ ان الاستعانة بالشمع والكاز، إذا وجدوا، سيكون ضرورياً لمواجهة عتمة الليالي الحالكة التي تنتظرنا.
أشياء كثيرة سيتحتم علينا نسيانها، لكن قد نجد استعمالات بديلة لها، كالبراد مثلاً قد نستخدمه خزانة ملابس، أما الهواتف المحمولة فقد نعطيها للأطفال للعب بها، أو قد نجد من يشتريها ببضعة دولارات عله يصدرها إلى بلدان، تستطيع أقلّه، شحنها بالكهرباء، بغية استعمالها.
كدت أنسى، آلة كهربائية بالغة الأهمية، باتت محور حياتنا، خصوصاً بعد تفشي جائحة كورونا، ألا وهي جهاز التوجيه “Router”، الآلة التي توزع الانترنت في البيوت مع لاقط على الأسطح، هذا الأخير يمكن استخدامه صحناً نجتمع حوله على مائدة الطعام، أما الراوتر، يُمكن تفكيكه والاستفادة من قطعه في مجال آخر، بعد انقطاع الكهرباء الكلي الذي يعني انقطاعاً تماماً للإنترنت.
هذا التفكير الخيالي والمضحك المبكي أهون من أرض الواقع، خصوصاً بعدما أصبح الانترنت أمراً أساسياً في حياتنا، إن على الصعيد التعليمي والعملي وحتى الترفيهي والتواصلي. وبعد كورونا، بات العمل من المنزل والتعلم عن بعد والتواصل مع الأصدقاء كما تمضية الوقت، مرتكزاً على وجود الانترنت، فكيف تتخيلون المشهد لو صحوتم صباح الغد، وأصبح الانترنت، أحد مزايا “الزمن الجميل”؟
أصبح سيناريو انقطاع الإنترنت المترافق لانقطاع التيار الكهربائي أمراً واقعاً، لا مفرّ منه، وإن كان جزئياً حالياً، ما يعني تقنيناً قاسياً، وصولاً إلى العتمة بعد شهرين، باعتبار أن المبلغ الذي تمكنت وزارة الطاقة من الحصول عليه تبلغ قيمته 200 مليون دولار، ما يعني بعد انقضاء هذه الفترة، وداع الكهرباء والانترنت.
“كل الآلات المتعلقة بقطاع الاتصالات تعمل على البطاريات، التي بدورها تحتاج للتيار الكهربائي، لذا القطاع بأسره مربوط ربطاً وثيقاً بالكهرباء، ولانقطاع الكهرباء، تأثير كبيرا على قطاع الاتصالات”. بهذه العبارة يشرح نقيب الموظفين في أوجيرو إيلي زيتوني في حديثه لموقع القوات الالكتروني عن العلاقة الوطيدة بين التيار الكهربائي والانترنت. ويضيف، “صحيح، أنه لدينا مولدات كهربائية نعتمد عليها كـ”Back up”، لكن هذا النظام غير مصمم للعمل 24/24 في حال انقطاع تام للتيار الكهربائي، إذ ان عملاً مماثلاً يتطلب تصاميماً مختلفة هندسياً، لذا بإمكان البطاريات الموجودة تأمين الطاقة لساعات معدودة ليس إلا، لكن لا يمكنها تلبية الطلب عند مواجهة انقطاع تام لساعات طويلة”.
ويتابع زيتوني شرحه، “التصميم نفذ وطبق عام 1995، لذا البطاريات الموجودة مرّ عليها الزمن، وهي تخدم القطاع، فلم تعد تتمتع بنفس القدرات والجودة التي كانت تتمتع بها عند تركبيها، كما أن المولدات التي كانت تتحمل فترة تشغيل لا تقلّ عن 20 ساعة، لم يعد بإمكانها العمل لأكثر من 7 أو 8 ساعات، بغض النظر عن الحاجة الماسة لصيانة ضرورية التي تكلف مبالغ باهظة غير موجودة، بعد موازنات تقشفية لحقت بأوجيرو”.
الانترنت إذاً في لبنان على شفير الهاوية، فإذا انقطع التيار الكهربائي بشكل تام، على الانترنت السلام، وإذا صار القطع جزئياً، أيضاً على الانترنت السلام، إذ انه ليس باستطاعة المولدات الحلول مكان مؤسسة كهرباء لبنان، بغض النظر عن أزمة المحروقات وتأمين المازوت الصعب الذي يواجهه البلد.
“تراكم المعضلات يحاوط الانترنت في لبنان”، هكذا يصف زيتوني الوضع الراهن، نافياً وجود أي خطة أو قدرة على مواجهة الأزمات التي تحاصر قطاع الاتصالات.
ولمن اعتقد أن الـ3G، خارج المعادلة فهو مخطئ، إذ يؤكد نقيب الموظفين أن ما ينطبق على الخطوط الثابتة ينسحب على الخطوط الخليوية.
وبما يتعلق بجودة الخدمة، يوضح أن الطاقة الاستيعابية تم تخطيها في لبنان، لافتاً إلى ان استجرار الانترنت، حتى لو اتُخذ قرار بزيادة القدرة، فإن الأمر بحاجة لـ”Fresh Dollar”، للدفع للبلد الذي يتم استجرار الانترنت منه.
قد لا يستوعب المرء هول الكارثة التي قد نواجهها، صحيح أن الانترنت كانت من الكماليات في الزمن البعيد القريب، لكن جائحة كورونا سرعت المكننة في لبنان، إذ أصبحت الأمور الأساسية في الحياة لا تتم بدون الانترنت، من إذن للخروج يؤخذ من المنصات الإلكترونية إلى رمز “QR code” يحتاجه المواطن للدخول إلى المؤسسات، والتعليم والمحاضرات كما المؤتمرات التي أصبحت عن بعد حتى أن العديد من الأعمال باتت تُنجز من المنازل، كما موافقة الاستشفاء من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أصبحت “online”، هذا ولم نأت على ذكر الحاجة الماسة للإنترنت في المعاملات والتواصل المصرفي والاستشفائي والأمني؛ ما يطرح سؤالاً وبالخط العريض، كيف سيُشل الوطن ومؤسساته في ظلّ مكننة حتمية باتت واقعاً لا رجوع عنه، وهل من حلّ يخفف وطأة المصيبة؟
للأسف، لا يمكن تجزئة توزيع الانترنت، يقول زيتوني إنه لا يمكن رفد مؤسسات من دون سواها بالإنترنت، فالأمر يتم بحسب المناطق، إما تتمتع المنطقة بخدمة الانترنت او تنقطع عنها، فلا استثناءات.
