.jpg)
ينام اللبنانيون على تصريحات وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي، بأن “البلد مكشوف على كافة الاحتمالات وليس فقط اغتيالات، بل الله أعلم شو، والقوى الامنية تُستنزف وغير قادرة على تنفيذ 90% من مهامها لحماية الوطن والمواطنين”، ليستفيقوا على وثيقة للأمن العام تشير إلى “التحضير لتصعيد كبير في الشارع من الممكن أن يتطور إلى ظهور مسلح وتوجه إلى منازل السياسيين، والأمور ذاهبة نحو فوضى وعمليات تخريب واستخدام السلاح في الشارع وأعمال نهب وسرقة وتصفية حسابات بحجة ارتفاع سعر صرف الدولار والغلاء المعيشي، تنفيذاً لأجندات سياسية، والتوقيت أصبح بين ليلة وضحاها”.
لا شك أن لبنان على فوهة بركان مهدد بالانفجار في أي لحظة، في ظل الواقع السياسي المأزوم جراء تخلف الأكثرية الحاكمة عن القيام بمسؤولياتها والتخلي عن مصالحها ومنافعها، لاستدراك الأزمة المالية والمعيشية المستفحلة وانهيار الليرة ومعها القدرة الشرائية، قبل فوات الأوان. لكن أين الحقائق بين هذا الواقع الفعلي المفتوح على احتمالات شتى، وبين التخويف وربط التحذير من عودة مسلسل الاغتيالات بالغضب الشعبي والتحركات في الشارع على وقع الجوع؟
العميد المتقاعد خليل الحلو يرى، “ألا حاجة لأينشتاين كي يحزر أننا كنا سنصل إلى هذا الواقع”، مؤكداً أن “الكل من دون استثناء كانوا يعلمون، من رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي في حال لم يكن على علم غير أن المحيطين به كانوا يعلمون، إلى حكومة تصريف الأعمال، والرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، وصولاً إلى النواب حتى الأقل فهماً بينهم كان يرى ما يحصل منذ أشهر، بل منذ ما قبل الانتفاضة بأشهر حين قال رئيس الجمهورية إن البلد مفلس”.
ويشدد الحلو، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، على أن “الوضع الذي نحن فيه اليوم لا يدعو إلى العجب، ولا يمكن تركيب قصص الاغتيالات والكلام عن هجومات على بيوت السياسيين وما شابه عليه. فحين يجوع الإنسان ماذا يُنتظر أن يفعل؟ أن يشكرهم ويصلّي؟ الجوعان لا شيء يردّه، لا جيش، ولا قوى أمن، ولا وعظ، ولا تمنيات. الناس من مختلف الألوان السياسية جاعت، والمعاشات فقدت قيمتها الشرائية، ولا نقطة تعجب أو تساؤل أو تآمر في ردة فعلها. المسار يوصل إلى هنا، وهذه الفوضى تدعو إلى الخوف”.
ويشير، إلى أن “التظاهرات التي انطلقت في 17 تشرين الأول 2019 لم تكن بسبب زيادة تعرفة الواتساب، التي كانت بمثابة شرارة فقط. ومن نزل إلى الشارع بدايةً كانوا جماعة السلطة لتركيب أفلام، ومن ثم نزل الناس ليقولوا لم نعد نريدكم. في ذلك الوقت، كان يمكن الكلام مع المتظاهرين وضبط قسم كبير منهم إلى حدٍّ ما، أما اليوم فكيف يمكن ضبط جائع واحد في الشارع؟”. ويضيف، “كان يقال إن أبناء طرابلس والشمال هم الأكثر فقراً وجوعاً، إنما اليوم بات هذا الوضع معمَّماً على كل لبنان”.
أما عن مسألة الاغتيالات، يؤكد الحلو، “ألا علاقة للأمر بالثورة. فهل الثوار الجائعين الغاضبين في الشارع على دراية بكيفية القيام باغتيالات بكواتم الصوت وتركيب متفجرات وعمليات مراقبة للمستهدف لتطيير رأسه؟ بالتأكيد لا”، لافتاً إلى أنه “في حال حصول عمليات اغتيال، فهذه تقوم بها جهات لديها الإمكانيات والوسائل لتنفيذها. والاغتيالات تكون هادفة بحيث تقوم هذه الجهات باستغلال الوضع للتنفيذ، لأنه بالتأكيد لا علاقة للاغتيالات بالوضع”.
ويسأل، “هل كل عمليات اغتيال شهداء ثورة الأرز كان له علاقة بالوضع المالي أو الأمني أو أي شيء؟ طبعاً لا. الذين قاموا بتلك الاغتيالات، والاتهامات تتجه نحو حزب الله وجماعة الممانعة والنظام السوري، لم يكونوا يريدون في ذلك الوقت أن يفلت البلد من قبضتهم. وهذا الأمر لا يزال قائماً حتى اليوم، لأنهم لا يريدون للبنان أن يتحرَّر من قبضة إيران، أو من أي قبضة أخرى. فمن اغتال لقمان سليم؟ الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر؟ ومن دون توجيه اتهام معيَّن، إنما بمعرفة ماذا كان يمثل ولماذا اغتيل، يمكن عندها معرفة كيف يجب توجيه التهمة”.
ويقول، “أما إذا كانت لعبة مخابراتية، فلا أعتقد أنه منذ محاولة اغتيال النائب السابق مروان حمادة إلى اليوم، كل الذين اغتيلوا كانوا ضحية ألاعيب مخابراتية؟ يعني أن تلك المخابرات التي نفذت عمليات الاغتيال هذه بهدف قلب الرأي العام لا تستحق التهنئة بالتأكيد، فهذه لم تنجح. بالتالي، الاغتيالات إن حصلت تكون في هذا الإطار، لا في السياق الذي ورد في برقية الأمن العام بربط الاغتيالات بالفوضى والغضب الشعبي، فهذا التحليل لا يستقيم”.
أما بالنسبة للسياسيين، يشدد الحلو على أنه “لا يمكن وضع كل السياسيين في سلة واحدة. طبعاً الجميع يتحمل مسؤوليات، إنما هناك أشخاص من بينهم مسؤولون أكثر من غيرهم عن الوضع الذي نعيشه”. ويضيف، “نحن في ظل وجود مجلس وزراء مستقيل غير مسؤول ويجلس متفرجاً، وهناك من يرفع الصوت مطالباً إياه أن من واجباته أن يعمل ويتصرَّف، لكن هل مجلس النواب مستقيل أيضاً؟ ولماذا لا يدعو رئيس مجلس النواب نبيه بري البرلمان لملء الفراغ الذي تتسبَّبت به الحكومة المستقيلة؟”.
ويسأل، “اجتمع مجلس النواب لإعطاء سلفة لكهرباء لبنان لتأمين استمرار التغذية بالتيار لنحو 6 أشهر، جيد. لماذا لا يعقد اجتماعات ويصدر قوانين نافذة لا تحتاج إلى حكومة مستقيلة أو غير مستقيلة لتنفيذها، كي يملأ الفراغ الذي تتخلَّف عنه حكومة تصريف الأعمال؟ لماذا لا يقرّ جزءاً من الإصلاحات المطلوبة؟ أين بري وماذا يفعل غير تحميل المسؤوليات لغيره؟ بالتالي هناك مسؤوليات على السياسيين”.
أما عن الخشية من التوجه إلى منازل السياسيين، يلفت الحلو إلى أننا “نسمع مطالبات في الشارع بتوجه الثوار إليها، لكنهم لن يذهبوا بالمدفعية أو الدبابات وهم لا يملكون سكيناً حتى. وأقصى ما يمكن أن يفعله الثوار إذا وصلوا إلى بيوت السياسيين هو رمي بضعة حجارة، إذا تمكنوا من ذلك، أو إذا كانوا يريدون أساساً رميها بالحجارة”، مشيراً إلى أن “السياسيين الذين خافوا طلبوا حماية، وهذا حقهم”.
ويوضح، أن “جهاز حماية الشخصيات موجود، وهو يؤمِّن الحرس والمواكبات والسائقين للسياسيين الذين يمكن أن يكون هناك خطر ما عليهم، وهذا طلب قانوني غير مستغرب. ومن حق الثوار أن يغضبوا، بمعنى لماذا هذا التصرف وعدم الإحساس بأوجاع الناس؟ ولا يمكن لومهم إزاء المشاعر المتأججة نتيجة الأوضاع المعيشية. إنما في الوقت ذاته، السياسيون الخائفون هذا حقهم القانوني، ولا يعني ذلك أن هناك تحضيراً لاشتباكات أو معارك وما شابه”.
