.jpg)
أما بعد، انتهى اجتماع الخمسين دقيقة في بعبدا، أمس الخميس، بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، غداة أربعاء “الاصطدام”، كما قال الأخير، معلناً الاتفاق على لقاء يوم الاثنين المقبل لاستكمال البحث، وكأن لسان حال عون يقول، “مِتِل ما دْعيت، ما لْقيت”، والحريري يجيب، “مِتِل ما رِحت، مِتِل ما جِيت”. في حين، لسان حال اللبنانيين العالقين بالتوازي مع الحكومة العالقة بين مطرقة بعبدا وسندان بيت الوسط يقول، “رِحنا وراح البلد، ولعلَّ ملاك الموت يبقى أرحم لنا من العيش في هذا الجحيم”، على خلفية ارتفاع معدلات الانتحار يأساً من ضيق العيش وانسداد آفاق الخلاص من هذا الوضع البائس.
بدا واضحاً أن الحريري لم يشأ في كلمته عقب الاجتماع إعطاء آمال كاذبة، مكتفياً بالإعلان عن “الاتفاق على اللقاء الإثنين المقبل، إذ سيكون هناك أجوبة لمعرفة كيفية الوصول الى الحكومة وإعادة الثقة”. ولعلّ انفلات الدولار الجنوني في الأيام الماضية وتردداته في الشارع والأسواق التجارية وانفلات الأسعار كان الدافع الرئيسي للقاء لإضفاء بعض التفاؤل، وإن غير الواقعي. وهذا ما أشار إليه الحريري باعتباره أن “الوضع الاقتصادي لا يبرر ارتفاع سعر الصرف بهذا الشكل”، مستدركاً أن “غياب الأفق لدى الناس يبرر ذلك، والهدف من الحكومة وقف الانهيار بالليرة عبر إعطاء الناس الأفق”.
إذاً، فعلياً، لم تُسفر زيارة الحريري الـ17 إلى بعبدا تلبية لدعوة عون لبحث تأليف الحكومة وإلا إفساح المجال لغيره، وردّ الحريري بالطلب من عون التنحي لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة إن تعذّر عليه توقيع التشكيلة التي سبق وقدّمها له، إلا عن علك مملّ للأفكار والمبادرات والتشكيلات الحكومية التي استفاض البحث فيها في الجولات الـ16 السابقة. فضلاً عن اللقاءات والمشاورات والمساعي والاتصالات والمبادرات على اختلافها، التي رُميت في “البازار الحكومي” منذ تكليف الحريري في 22 تشرين الثاني 2020.
ويبدو واضحاً، أن كلا الرجلين متمسّكان بمواقفهما. عون لم يعد يُخفي رغبته بعدم وجود الحريري في رئاسة الحكومة، ولم تنقص دعوته المتلفزة، مساء الأربعاء الماضي، سوى أن يقول بالفم الملآن “طلاع من حياتي”. هو يدرك أن عهده انتهى، وكل ما يحاول القيام به هو إبقاء وريثه النائب جبران باسيل حيّاً يرزق في مستقبل الأيام، وشعاره بالأمس يصحّ اليوم وفي كل الأيام، “لعيون جبران عمرو ما يكون حكومة”، واستطراداً “عمرو ما يكون بلد”.
في المقابل، يدرك الحريري أنه لا يمكنه تشكيل حكومة لا تحظى بمباركة دولية من الدول الفاعلة والمؤثرة التي تملك مفاتيح المساعدات، فضلاً عن الدول العربية الأساسية التي لا يستطيع إغضابها، بل على العكس هو يعمل على استرضائها لاستجلاب مساعدات الإنقاذ المالية لمحاولة الخروج من الحفرة البلا قعر، وإلا مصير حكومته الفشل والسقوط، الأمر الذي ليس باستطاعته تحمُّل تردداته الشعبية والشخصية، بالتالي ليسقط عون وباسيل وحدهما.
لكن نحن في لبنان، البلد الذي “يركِّب الدَكَر ع الدَكَر ويلعب شَكَر بَكَر”. بلد ينام مرة على صيف واعد ليستفيق على حرب مدمّرة، ويغفو مرات على آفاق سياسية مسدودة وحيطان وحواجز لا تُخرق ليصحو على حلول وتسويات وصفقات “من تحت تاسع أرض”، أو من خلف البحار، من أصحاب الكلمة والأمر خارج الحدود للّاعبين المحليين الذين تخلوا بمعظمهم عن أدوارهم وواجباتهم الوطنية، فتُفرج الأزمة مرحلياً قبل أن تعود “حليمة لعادتها القديمة” وتستولد أزمات وأزمات جديدة.
غير أن الأزمة هذه المرة من طبيعة مصيرية غير مسبوقة في تاريخ لبنان، إذ لم يسبق أن بلغت الأزمات المتعاقبة هذا المستوى من الخطورة، حتى في عز أيام الحرب، والتي باتت معها إمكانية النهوض من دون تغييرات جذرية في ذهنيات وسلوكيات إدارة الشأن العام موضع شكوك جدّية، إذ إن التحلل بلغ “النخاع الشوكي” لسائر مؤسسات الدولة في ظل المنظومة الحاكمة. فهل من مَنفذ ما بعد يؤدي إلى الانفراج ويجنِّب البلد الانفجار، بفعل صحوة ضمير غير متوقعة أو بقوة خارجية قاهرة؟
