ما يخشاه “الحزب” أبعد من حكومة

 

معطيات ومعلومات دبلوماسية وصحفية متقاطعة ومتداخلة عدة تحملنا على الاستنتاج ان لبنان وبعدما دخل عمق العاصفة الاقليمية وانعكست انهياراً سياسياً واقتصادياً ومالياً ومعيشيا، يتقدم بخطى سريعة الى موقع أكثر سخونة ألا وهو موقع التقاطعات الاقليمية والدولية الصادمة والضاغطة على البلاد.

أولاً: مسالة تأليف الحكومة وان بدت في ظاهرها أم الاشكالات الحالية واساس بداية الحلول، الا انها لم تعد هي المشكلة في ظل قرار إيراني يتولى حزب الله ترجمته عملياً وسياسياً (مضمون خطاب الأيمن العام لحزب الله حسن نصرالله الاخير في يوم الجريح المقاوم تاريخ 18 اذار الماضي) ويقضي بتشديد القبضة على اوراقها الاقليمية ومنها ورقة لبنان، بعدما اثبتت ادارة الرئيس جو بايدن عدم حماستها الفعلية للعودة بأي ثمن الى الاتفاق النووي، وبعدما تراجع الاوروبيون عن حماستهم للاتفاق خصوصاً الفرنسيون والالمان. علماً أن الفرنسيين في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب كانوا من اشد المتحمسين لإنقاذ الاتفاق وأصبحوا في عهد بايدن من اشد المتحمسين لتعديله ليشمل مسألة الصواريخ البالستية وتدخل إيران في دول المنطقة.

لذا، تحتاج إيران في هذه الاثناء وعشية انتخاباتها الرئاسية الى الامساك بإحكام كبير بأوراقها خصوصاً في لبنان حيث أكبر ذراع عسكري لها هو حزب الله وأقواها وأقدرها على التأثير في الداخل اللبناني كما في الاقليم.

ثانياً: انطلاقا مما ذكر أعلاه، يأتي خطاب نصرالله الاخير ليعكس 3 توجهات أساسية:

الاول: التحذير من الحرب الاهلية، من خلال تأكيده أن ثمة قوى داخلية وخارجية تسعى للحرب الاهلية وهو وان لم يسميها فإنها، في ادبيات حزب الله معروفة ومستهدفة منه حاليا.

الثاني: رغبة صارمة في ضبط الوضع الداخلي عبر من جهة التدخل مباشرة على خط تأليف الحكومة والتي تجلى بالنصائح والآراء التي ساقها للرئيس المكلف سعد الحريري وصولا الى التخيير بين اعادة تعويم حكومة الرئيس حسان دياب او الذهاب الى حكومة تكنو سياسية، ما يعني استهداف المبادرة الفرنسية مباشرة في الصميم لإيصال الرسالة الى الاميركيين والفرنسيين والاوروبيين بأن الحزب قادر على تجاوز ضغوطهم جميعاً واعادة ضبط عقارب الساعة المحلية على توقيته ومصالحه هو.

الثالث: في التوجه مباشرة الى الجيش اللبناني والقوى الامنية وإطلاق التحذير بأن ثمة سفارات تضغط على الجيش، ما يعني رسالة الى الاميركيين اولا بأن الدعم الاميركي للجيش اللبناني لا ينظر اليه الحزب بعين الرضى وقد تأكدت في الساعات الماضية الريبة التي عبرت عنها وسائل اعلام الحزب حيال زيارة الجنرال كينيث ماكينزي الى الحدود السورية اللبنانية، أخيراً، إذ التقى فوج الحدود البرية الثالث. والحزب متحسس جدا من تلك الحدود لأنها تمثل بالنسبة اليه عمقه الاستراتيجي المرابط بين لبنان وسوريا ويعتبرها مجال تواصله الدائم مع دمشق.

فهذه التوجهات المضافة الى مواقف المرشد الاعلى علي خامنئي المتشددة الاخيرة حيال تلكؤ الاميركيين والاوروبيين عن العودة الى الاتفاق والعودة الى التخصيب بنسبة 20% والتصريحات النارية الصادرة من الادارة الايرانية يوميا والتهديدات التي تتضمنها للغرب، كلها تثبت التشدد الاقليمي الايراني ولبنان احدى اوراق طهران الاساسية.

ثالثاً: التوجه الفرنسي الذي يؤكد من جهة العودة الى الملف اللبناني بنظرة مختلفة واسلوب مختلف مدعوماً من الاميركيين والاوروبيين وحتى الروس القلقين على اية تداعيات لانفجار الاوضاع اللبنانية الداخلية على العمق السوري في لحظة الاعداد لتسوية سياسية في سوريا عشية الانتخابات الرئاسية السورية التي تعول على انجاحها موسكو، ومن جهة ثانية عدم ثقة باريس بالمسؤولين اللبنانيين وعدم التردد في اللجوء الى العقوبات اذا اضطرها الامر هذه المرة، خصوصاً بعدما خرج ترمب من البيت الابيض ودخله بايدن، إذ ان باريس تمكنت من فرملة العقوبات الاميركية المتوقعة على كبار المسؤولين اللبنانيين لنزع اية ذريعة تشدد في مواقفهم من مبادرتها المتجددة، الامر الذي فسره البعض في لبنان على انه تراجع اميركي للعقوبات، بينما في الواقع هو نزول ادارة بايدن عند طلب الرئيس ماكرون التمهل في استكمال فرض العقوبات ليتمكن من اعادة احياء ديناميكية مبادرته المعدلة، خصوصاً أن الرئيس الفرنسي الذي فشل في اقناع ترمب بالتمهل في فرض العقوبات لعدم عرقلة مبادرته حمل سياسة جزأ من مسؤولية فشل مبادرته الأولى.

لكن هذه المرة جزاء عدم استجابة المسؤولين اللبنانيين للمبادرة الفرنسية الأوروبية سيكون لها عقوبات لم يسبق لها مثيل واشد من تلك الأميركية، مضافا اليها سيف العقوبات الخليجية، بعدما توصل الجميع غربا وخليجيا الى قناعة بضرورة تغيير منهج التعاطي مع الطبقة الحاكمة في لبنان ووجود تنسيق غربي عربي خليجي حول لبنان.

الضغط اذاً في هذه المرحلة بدأ يتركز على وجه الخصوص على الرئيس ميشال عون بدرجة كبيرة والرئيس المكلف تشكيل الحكومة الحريري بدرجة اقل، كونه المتسلح بتنفيذ المبادرة الفرنسية الاساسية بتصورها الحكومي (وزراء مستقلون اختصاصيون غير حزبيين)، بما يعاكس طرح نصرالله حول حكومة تكنو سياسية، وهو الامر الذي حدا برئيس الجمهورية الى توجيه الاستدعاء المتلفز للحريري بمحاولة من بعبدا للإيهام بأن كرة التعطيل في ملعب الرئيس المكلف، في وقت كان بإمكانه ببيان رئاسي توجيه مثل هذا الاستدعاء.

رابعاً: ما يزيد في الامور تعقيدا وضغوطا على الوضع اللبناني حاليا الكباش غير المعلن بين روسيا وإيران في سوريا. وفي هذا الإطار، لا يقنعنا أحد أن دعوة وفد من حزب الله، أخيراً، الى موسكو كانت لبحث الملف الحكومي اللبناني (نفت السفارة الروسية في بيروت ان تكون موسكو طلبت من حزب الله الضغط على عون لتسهيل تأليف الحكومة)، اذ ان للزيارة عناوين اخرى اهم وأكثر شمولية، باعتبار ان حزب الله لم تتم استضافته بصفته لاعباً داخلياً في لبنان فقط، بل كلاعب إقليمي، وبالتحديد صاحب اليد الطولى في دعم وتعزيز ومؤازرة الميليشيات الايرانية في كل من العراق واليمن وسوريا.

هذه الزيارة ان دلت على شيء فعلى وقوف الحزب على مفترق علاقة متوترة بين طهران وموسكو في الملف السوري، ذاك ان الرئيس فلاديمير بوتين توصل الى تفاهمات مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تلزم روسيا بإخراج الايرانيين من سوريا، لدرجة ان تل أبيب وعدت الروس بمساعدة نظام الاسد ان انسحبت ايران (وكانت خطوة تزويد السوريين باللقاحات من اسرائيل أخيراً مؤشراً إلى صدق الوعد الاسرائيلي لبوتين وكذلك فتح الاجواء السورية امام المقاتلات والصواريخ الاسرائيلية المستهدفة لمواقع الايرانيين) وصولا الى الاجتماع الثلاثي الأخير القطري التركي الروسي الذي انعقد في الدوحة يوم 11 آذار الحالي المخصص لسوريا والذي غابت عنه إيران.

كل هذه التشابكات في العلاقة الروسية ـ الايرانية تمت مناقشتها مع وفد حزب الله المطلوب منه روسياً ليس تسهيل ولادة حكومة لبنانية فحسب، بل تسهيل ولادة وعدم عرقلة اية صيغة سياسية جديدة في سوريا نظراً لإمكانات الحزب الميدانية وقدرته على العرقلة في ظل التزامه دعم نظام بشار الاسد المرشح للتغيير من دون مراعاة لمصالح طهران الموجودة ميدانياً في سوريا أيضاَ.

ومن هنا كانت المعلومات المسربة من اللقاءات بين وفد الحزب والروس غير إيجابية، الا ان تلك الاجتماعات قد تكون في اساس وثبة نصرالله في اطلالته الأخيرة، إذ اقتحم الوضع الداخلي اللبناني بوصفات وتهديدات وتحذيرات ونصائح حكومية وسياسية وتنبيه من حرب اهلية وسواها كرد فعل او انعكاس لمضامين ما تم في موسكو خصوصاً لجهة انكفاء الحزب عن سوريا وتشجيعه على الانخراط في الوضع اللبناني الداخلي لترك سوريا والحلول في سوريا لموسكو من دون اية عرقلة.

خامساً: يضاف الى كل العوامل الضاغطة اعلاه عامل هام جدا بدأ يقلق الحزب أكثر فأكثر الا وهو تفاعل مبادرة البطريرك بشارة الراعي حول الحياد والمؤتمر الدولي، إذ ان الحزب يخشى في هذه المرحلة بالذات من تركيز اقليمي ودولي معادي لإيران، ان يتحول الطرح الى بداية ترجمة واقعية حقيقية، في ظل الاصرار الدولي والعربي الخليجي على عدم استمرار انهيار لبنان وفي ظل حشد الجهود الدولية والاقليمية لمحاصرة إيران ووكلائها في المنطقة تمهيدا لتسويات وتثبيت خرائط جديدة لغرب آسيا.

ولعل كلام نصرالله عن الحرب الاهلية لم يكن فقط من زاوية الازمة المعيشية والاقتصادية والمالية ومضاعفات اقفال الطرقات بقدر ما كان ايضا من زاوية تحذير الحزب من مغبة الذهاب باتجاه صيغ كالحياد والمؤتمر الدولي التي قد تتسبب، وفق منظوره في إشعال الحرب الاهلية، خصوصاً ان بيانات ومواقف الحزب في الآونة الاخيرة ومثلها مواقف الشيخ احمد قبلان تنتهج هذا التحذير.

إذاً، لبنان من عين العاصفة الى قلب التقاطعات الاقليمية والدولية الصادمة والمتصادمة، وعلى الصفيح الساخن لحسابات وخطط التسويات. فالأزمة مرشحة للتفاقم أكثر والصمود بأي ثمن مهما كان باهظا هو المطلوب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل