.jpg)
في مثل هذا اليوم ومنذ سبع وعشرين سنة، أصدر مجلس الوزراء مرسومًا حمل الرقم 4908، تلاه مستورِد المتفجّرات، ميشال سماحة، يوم كان عميلا سوريًّا برتبة وزير للإعلام آنذاك، قضى بحلّ حزب القوّات اللبنانيّة. والمفارقة في ذلك أنّ التّهمة التي ألصِقَت بالحزب تبيّن، لاحقًا براءته منها، فيما تمّ استغلال ذلك للإنقضاض على رئيس القوّات، سمير جعجع.
أن ننسى هذه الوقائع لن ننساها. نتّعظ منها لأنّنا أسّسنا لمقاومة سلميّة طلابيّة في تلك المرحلة استمرّت أحد عشرة سنة أثمرت في نهايتها حريّة لرئيس القوّات من معتقله السياسي، وفرضت وجود القوّات في الساحة السياسيّة. والأهمّ من ذلك كلّه أنّ هذه المقاومة الطلابيّة السلميّة كانت الرّافعة للمقاومة السياسيّة التي بدأت مع نداء المطارنة في العشرين من أيلول العام 2000 والتي أدّت في نهاية المطاف إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان مذلولا بعد احتلال دام ثلاثة عقود من الزمن.
أن ننسى دماء رفاقنا الطلاب الذين سقطوا في زمن السلم لمجرّد أنّهم قالوا كلمة الحقّ، لن ننساهم. لا رمزي، ولا بيار، ولا طوني. لن ننساهم. هم حفروا نهجًا غانديًّا على الطريقة اللبنانيّة، وعلى خطى المعلّم الأوّل يسوع المسيح، وعلى خطى سبعة وسبعين بطريركًا رفضوا أن يبيعوا لبنان لقاء حفنة من ثلاثين، وعاشوا مع شعبهم اللبناني أحرارًا، لو في الوديان والكهوف لأربعمئة سنة أحيانًا لكنّهم حافظوا على حرّيّة شعب لن يموت.
واليوم نستعيد هذا التّاريخ مع غصّة في قلوبنا لا لأنّنا نتذكّر مساوئ هذه المرحلة البغيضة، بل لأنّ هذه المرّة تاريخ الاحتلال يعيد نفسه، ولكن بأيدي لبنانيّين شركاء لنا في الوطن. نعم، حزب الله يمثّل في لبنان وجه الاحتلال الايراني بأوجهه المتعدّدة التي تبدأ بالغزو الفكري العقائدي الذي بدأه الحرس الثوري في لبناني منذ ثمانينيّات القرن المنصرم ولا تنتهي بالغزو الاقتصادي الذي ساهم بشكل كبير في انحلال الاقتصاد اللبناني.
أمّا القوّات فمقاومتها مستمرّة اليوم وغدًا ليبقى لبنان. فعنوان مقاومتنا اليوم هو الصّمود والعمل السياسي للحفاظ على ما تبقّى من دولة لبنانيّة حتّى نستطيع إنهاضها سياسيًّا وبالعمل السياسي. ولهذه الغاية تطالب القوّات باستقالات ميثاقيّة من المجلس النيابي للوصول إلى انتخابات نيابيّة مبكرة بهدف إعادة إنتاج السلطة السياسيّة. وما التأخير في تشكيل الحكومة التي يقودها الرئيس المكلف سعد الحريري سوى المزيد من التأكيد على أنّ طرح القوّات هو باب الحلّ الذي على ما يبدو أنّ حزب الله رافض له بالمطلق.
فضلاً عن المقاومة الداخليّة التي تقودها القوّات اللبنانيّة من الداخل اللبناني تقود مقاومة انتشاريّة في الانتشار اللبناني حيث يتمّ طرح القضيّة اللبنانيّة على أعلى المنابر الدّوليّة، لا سيّما في دول القرار إعادة تموضع القضيّة اللبنانيّة كأولويّة من الأولويّات الدوليّة كي لا يقدَّم لبنان على طبق من فضّة كجائزة ترضية يحكِم فيها حزب الله قبضته على الساحة اللبنانيّة بعدما قدّم أوراق اعتماده لدى الرّوس لضمان أمن إسرائيل.
سبع وعشرون سنة مضت والقوّات هي هي، ثابتة في مواقفها السياديّة؛ ولن تستطيع أيّ ثورة في لبنان أن تغفل النّاحية السياديّة لتحقّق نطالب اجتماعيّة محقّة، بل يجب مواءمة الجانب السياسي مع أيّ جانب آخر يتداعى النّاسى إلى الثورة لتحقيقه لأنّ العامل السياسي هو الأساس. ومخطئ مَن يظنّ أنّ السلاح لا يواجه إلا بالسلاح، ونماذج المواجهات السلميّة كثيرة في العالم، والقوّات خاضت هذا النموذج في المرحلة السابقة.
لكن فليدركوا جميعهم، في لبنان وخارجه، أنّ القوّات مستعدّة دومًا للإحتمالات كافّة. ولا تستبعد أيّ خيار. لكنّها تبحث دائماً عن الخيار الأقلّ كلفة على المجتمع الذي منحها ثقته. ومسيرة المقاومة مستمرّة وستبقى إلى أبد الآبدين طالما وجد كائن حيّ تسوّله نفسه التطاول على حريّة وكرامة شعب لا يموت.