لولاه…

 

لقد توارد الى مسامعنا، ومنذ فترة غير قصيرة، تصريحات وتعليقات وإعلانات، إن على وسائل التواصل، أو من على الشاشات، أطلقها موهوبون باللادراية، وبالتغفل، وموضوعها: دخول التاريخ، ومن بابه الواسع.

وهؤلاء الذين ينطقون أو ينطقون “بالحق”، وبالحق فقط، يرددون أن “واحدهم”، من دون سواه، سيخلده تاريخ الوطن، بل تاريخ الأمم والشعوب، أيضاً، للمنجزات “العجائبية” التي لم تكن لتتحقق، لولاه.

في التحليل، يستوقفنا تعبيران استخدمهما المفوهون، هما: “دخول التاريخ”، و”النطق بالحق”.

إن التاريخ، يا حملة المباخر، هو صفحة الكون، وتذكرة افتتاح الزمن، رافق الأيام منذ نشأتها ولا زال، وهو وثيقة الوقائع، ومدونة تسلسل التطور في حياة الشعوب. والتاريخ لا يغفل عن شيء، ولا يهمل واقعة، مهما كانت هامشية، وهو مجموعة أحداث تعلق في أذهان الناس، لما لها من أهمية وتأثير، سلباً أو إيجاباً، لذا، ليس التاريخ حكراً على الأحداث الإيجابية، فقط، لذا، بتنا نقرأ، كذلك، عما يسمى “خطأ تاريخي”.

نحن لا ننكر دخول هذا “الواحد” تاريخ لبنان، فقد سطر تاريخنا، بين دفتيه، وتأكيداً على صدقيته، أحداثاً ومعلومات، منها ما ترفع له قبعات الاحترام والتقدير والشكر، ومنها ما يندى له الجبين، لما عبقت فيه من روائح الملونين المنقلبين على المبادئ التي وظفوها لاستمالة الناس، ما يفصح عن تدهور دراماتيكي على مستوى سلوكهم الوطني والسياسي، وعلى صعيد ترهاتهم النرجسية التي تؤكد على الاهتمام بشخصانيتهم، وليس بقضايا الناس. فمن يريد أن يدخل التاريخ، مخلداً، عليه أن ينهمك بإيجاد حلول لكتلة الأزمات التي لا يرى منها، وهي بعهدته، إلا انسداد الأفق. ومن يريد أن يدخل التاريخ، موصوفاً بالعظيم، عليه ألا يتلهى بتضخيم رصيده النفعي باقتناص المحاصصات، والسمسرات، وبتقمص دونكيشوت الطواحين، وبانتهاك كرامة الوطن، وقداسة الكيان، وسيادة الدولة، بانقلاب تخريبي لمفهومي الانتماء والولاء.

أما مقولة “النطق بالحق”، فأي اغتيال سافر للحق هو هذا الافتراء على الحقيقة؟ إن الانحياز الى الثرثرة لا يمكن أن يشير إلا الى المرض الذهني الذي تمكن من “اللتلاتين”، واستعصى على كل علاج. وصار من حق التاريخ، ومن حق الحق، معاً، أن يعتبا على الشعب الذي لم يرم الثرثارين و”واحدهم” في الحجر السياسي، والعقلي.

إن النطق بالحق لا يمكن أن يصدر عن أمخاخ معطوبة، يسيطر عليها الهذيان والهلوسة السقيمة. والنطق بالحق مرتبط، حكماً، بالعقل، وإذا أردنا أن ندل على العقل، فلا يكفي أن نشير الى جمجمة عظمية تحوي كابلات صدئةً يخربها الخرف. إن النطق بالحق، هو الإقدام على التركيز بأن الغربة عن الوطن ليست استراتيجية الشرفاء، وأن المسؤولية وجوب التزامي ناشط، ونضال طليعي متواصل، وثبات وطني صادق وحر، وليس شطحات فانتازية، ووصولية رخيصة، وأداة لتمويه وطنية مزيفة.

إن “النطق بالحق”، فوق ألسنة المصفقين الآليين، ليس سوى فولكلور بائس، صادر عن دميات مصابة بالنمطية العبثية التي تستدعي استصلاحاً ملزماً لخلل مركزي، لديهم، إسمه “العقل”. أما “الدخول في التاريخ”، فلن يكون، أبداً، لحطام الرجال، ولجثث متجولة مذعنة، لا ينفع معها أي أسمدة لتصبح أرضها الجرداء قادرةً على إنتاج وعي خصب.

التاريخ يفتح متنه لمن ينفرد عن الأشباه متعملقاً بتكاثف الفهم، وبرجحان كفة الوطنية غير القابلة للتصرف، وبإحداث هزة نوعية توقظ الغافلين عما ينسج للوطن، وتقض مضاجع الذين يعتدون على مكونات الكرامة والسيادة.

وبعد، أين، من هذه المزايا التاريخية، هذا الـ”لولاه”؟؟؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل