مخطط واشنطن في الشرق الاوسط

يقول غاندي: سبعة أشياء تدمر الانسان: السياسة بلا مبادئ والمتعة بلا ضمير والثروة بلا عمل والمعرفة بلا قيم والتجارة بلا اخلاق والعلم بلا انسانية والعبادة بلا تضحية.

انطلاقا من هذا الكلام سنتناول باختصار قدر الامكان ولأول مرة حقائق الصراع الشرق اوسطي منذ احداث 11 أيلول 2001 الى يومنا هذا ومختلف اوجه تطوره وتوقعاتنا الجيو سياسية والجيو استرتتيجية على نتائجه.

اولا: منذ احداث 11 أيلول 2001 في نيويورك، والسؤال الذي صار يتردد في العقل الجماعي الاميركي وعلى لسان كل اميركي حيال شعوب الشرق الاوسط: لماذا يكرهوننا؟

منذ ذلك الحين بدأت الادارة الاميركية العميقة تدرس الاسباب والاحتمالات وكيفية مواجهة هذه الحقيقة خصوصاً في منطقة لأميركا فيها مصالح حيوية كبرى لا يمكنها الاستمرار في المجازفة بها. فتبلورت خطة المواجهة، فاعتبرت واشنطن ان نقمة الشعوب العربية والاسلامية ضد الولايات المتحدة ناجمة بالدرجة الاولى عن دعم الاميركيين لأنظمة انفصلت عن شعوبها تمارس عليها الاستبداد والدكتاتورية باسم صداقاتها وتحالفاتها مع الولايات المتحدة.

أول غيث الخطة كان فكرة الشرق الاوسط الجديد، ومع الادارة الجمهورية، والرئيس جورج بوش الابن، كان القرار الاستراتيجي بإسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي كان يمثل خطرا مزدوجاً:

أ – على إسرائيل، وقد تجرأ على رمي صواريخه وتهديد امنها

ب – على إيران، وقد خاض معها حربا ضروساً أنهك الجمهورية الاسلامية وهدد نظام الملالي فيها.

وبالتالي اسقاط صدام كان يعني حماية اسرائيل وإطلاق يدها في المنطقة، وحماية إيران، كان يهدف الى اسقاط السد العربي السني المنيع بوجه المد الشيعي الثوري الفارسي الذي يتهدد المنطقة العربية من منطلق نظرية تصدير الثورة.

في هذه الاثناء تغير النظام في تركيا مع سقوط نجم الدين اربكان وحزبه الحاكم وصعود رجب طيب اردوغان تلميذه مع حزب العدالة والتنمية الاسلامي.

انتهت المشهدية الاولى.

ثانياً: مع الادارة الديمقراطية، والرئيس باراك أوباما، وبالعودة الى ما ذكره في كتابه الأخير، ترسخت القناعة الاميركية بضرورة انقاذ السياسات الاميركية في المنطقة من براثن الانظمة الحليفة والصديقة للأميركيين لكن غير الشعبية امام شعوبها والمستمدة بها، فكان دعم ادارة اوباما المفضوح لما سمي بالربيع العربي والثورات الشعبية خصوصاً مع اندلاع الثورة المصرية، وقد سلم الاميركيون الرئيس التركي اردوغان مشعل المساهمة المباشرة في التأسيس لشرق اوسط جديد، هو في الحقيقة شرق اوسط بأنظمة ذات طابع اخواني ـ اسلامي اعتبرت ادارة اوباما بأنها تستجيب لتطلعات المجتمعات في المنطقة. فكان مسلسل احداث متشابك امتد من تونس الى ليبيا الى مصر الى سوريا فاليمن وصولا الى العراق وارتسمت خطة الشرق الاوسط الجديد وفق الآتي:

في تونس ومصر وسوريا، نظام اسلامي اخواني بإدارة واشراف ودعم تركي

في اليمن نظام حوثي ايراني مباشر بدعم من طهران

في العراق نظام شيعي ايراني مباشر بدعم من طهران.

الانظمة الملكية والاميرية في الخليج بين التسليم بالأمر الواقع والانخراط نوعا ما في الموجة التجديدية وبين المواجهة مع احتمالات تقسيم بعض الدول الخليجية.

فكانت احداث مملكة البحرين، وتدخل درع الصحراء لإنقاذ نظام الملك خليفة من الثورة المدعومة إيرانيا، وكان تدخل المملكة العربية السعودية ودول الخليج في اليمن لوقف التمدد الحوثي، كما كانت المواجهات في العراق بين التيار العربي الخليجي والتيار الايراني المدعوم اميركيا واوروبيا، وكانت مقاطعة دول الخليج للجماعات الاسلامية الثورية التي انتفضت في سوريا ضد نظام بشار الاسد وتسهيل التدخل الروسي لمواجهة المد الايراني في هذا البلد، وبالتالي حماية النظام السوري بغض النظر عن شخص الأسد. وقد استفادت موسكو من هذه الفرصة التي لطالما حلمت بها بالوصول الى منفذ على المياه الدافئة خصوصاً في ظل تاريخ كبير من العلاقات مع نظام الاسد الاب.

ايقنت الانظمة العربية وتحديداً الخليجية التقليدية عمق المأزق وخطورة المؤامرة، مع اندفاعة ادارة اوباما الى التفاوض مع إيران على برنامجها النووي، والتوصل معها الى اتفاق العام 2015 في لوزان، بمعزل عن رأي العرب والخليج خصوصاً، وبدعم اوروبي وتركي واسرائيلي (اسرائيل الموعودة بإطلاق يدها في سوريا مع الروس وبعدم تهديد إيران لها بضمانات اميركية).

عبرت المنطقة في مرحلة سنوات من اللااستقرار والحروب والاحداث الدامية ومسلسلات القتل والتدمير الممنهج في سوريا والعراق واليمن وأحياناً في لبنان والعراق، بينما كانت ايران تكتسب المزيد من الاوراق الاقليمية وتطور منظومتها الصاروخية الباليستية وتضاعف من تدخلاتها في دول المنطقة عبر وكلائها الاقليميين (الميليشيات).

انتهت المشهدية الثانية.

ثالثاً: مع اعلان ترشح الرئيس دونالد ترمب للرئاسة في اميركا، بدأت دوائر القرار الاميركي الديمقراطية، حربا شعواء ضد المرشح ترمب لسببين:

أ – وصوله من خارج نادي المسؤولين التقليديين ورثة الادارة العميقة في واشنطن

ب – برنامجه الانكفائي المبني على معادلة: اميركا اولاً، الامر الذي يهدد خطة الشرق الاوسط الجديد وكافة انجازات الادارات التي سبقته.

انتصر ترمب في الانتخابات وهزم هيلاري كلينتون المؤتمنة على ارث السياسة الاوبامية في الشرق الأوسط، وشرع في سياسته الجديدة على قاعدة: اميركا اولا والكلمة للمصالح الاقتصادية والمالية. فلم يجد ترمب أفضل من العودة الى الحلفاء التقليديين لأميركا في المنطقة ولا سيما الدول العربية الغنية خصوصاً الخليجية وعلى رأسهما المملكة العربية السعودية ودولة الامارات.

بشطبة قلم، ألغى ترمب كل مكتسبات وانجازات خطة الشرق الاوسط الجديد وذهب عكسها تماماً:

1 – فرض حصارا على إيران وعقوبات قصوى طوال عهده وانسحب من الاتفاق النووي للعام 2015 وقتل قاسم سليماني وابو مهدي المهندس، فضلا عن تصفية عالم إيران النووي الاول فخري زاده، فعاشت الجمهورية الاسلامية فترة عصيبة لم ينجح خلالها لا الاوروبيين ولا الصين ولا الروس ولا الاتراك في فك عزلتها الاميركية وحصارها الخانق. علما ان ترمب لم يكن يهدف من وراء سياسته القاسية مع الايرانيين الى قلب النظام، بل الى تغيير سلوك القيادة الايرانية والقبول بتعديل الاتفاق بما يضمن امن وسلامة حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة من الخليج الى إسرائيل وخصوصاً برنامج الصواريخ الباليستية ووقف تدخل إيران في شؤون الدول في المنطقة.

2 – تحجيم طموحات اردوغان حيال المنطقة العربية والخليج وتوجيهه باتجاه فتح معاركه مع الاوروبيين ودول شرق حوض المتوسط وشمال افريقيا بحثا عن الثروات والغاز والنفط، مع ابقاء هامش تحرك وتدخل له في القوقاز (الحرب الأرمنية ـ الاذرية والتي تحجم نفوذ اردوغان امام الروس) وفي شمال سوريا…

3 – اتاحة عودة العسكر الى حكم مصر (مع الرئيس عبد الفتاح السيسي) بعد سقوط حكم الاخوانيين مع الرئيس الراحل محمد مرسي، ودعم الخليجيين في حروب استرداد السلطة في اليمن والبحرين ودعم الشرعيات فيهما، فضلا عن تكوين منظومة امن جماعي في بحر العرب لحماية منابع النفط والغاز وامداداتها.

4 – تعزيز العلاقات وتقويتها مع ولي عهد السعودية الامير محمد بن سلمان وحاكم دولة الامارات الامير محمد بن زايد، وصولا الى إطلاق يد روسيا في سوريا بتوافق واتفاق مع اسرائيل لضمان انسحاب إيران وتقاسم منطقة النفوذ بينه وبين الرئيس بوتين في سوريا.

5 – وصولاً الى إطلاق مشروع صفقة القرن وتحقيق التطبيع العربي ـ الاسرائيلي.

انتهت المشهدية الثالثة.

رابعاً: مع عودة الديمقراطيين بشخص الرئيس جو بايدن وفريق عمل غالبيته اوبامي الهوى والنزعة، اراد الديمقراطيون العودة الى استكمال مشروع الشرق الاوسط الجديد، لكن فاتهم تغير الارض والوقائع والمعطيات 360 درجة. فمشروع الانظمة الاسلامية السياسية سقط ولا مجال لإحيائه، واحدث دليل على ذلك التقارب التركي المصري وما يحصل اليوم في تركيا مع اعلاميي واعلام الاخوان المسلمين من تفاوض على الاقفال والتوقف عن مهاجمة مصر، ويقين اردوغان ان بايدن والادارة الديمقراطية الحالية ليست كما سابقتها حليفة محبة له.

والاتفاق النووي كما هو لم يعد يلبي لا تطلعات الاوروبيين ولا تطلعات اسرائيل ولا العرب وهو بحاجة الى تعديل فيما إيران لا يهمها من العودة الى الاتفاق الا رفع العقوبات الخانقة عنها.

التطبيع العربي ـ الاسرائيلي خلق ديناميكية تعاون اقليمي لا تستطيع ادارة بايدن القفز فوقها، والمراهنة على إيران من دون العرب والخليجيين تحديداً، خصوصا بعدما لجأت الانظمة العربية الخليجية والمصرية الى انتهاج سياسات انفتاح وتعاون مع الصين والروس حتى في مسألة التسلح والتحالف مع الاوروبيين لتطويق تركيا. وقد تعلمت تلك الانظمة الدروس من مشروع الشرق الاوسط الذي كان يستهدفها بالدرجة الاولى وبتواطؤ ومباركة أميركية، اميركا ذاك الحليف التاريخي، لكن غير الجدير بالثقة العمياء. من دون ان ننسى ندوب صفقة القرن على الفلسطينيين العاجزين عن التوحد وراء مشروع وطني فلسطيني واحد بديل عن صفقة القرن.

هكذا وصلنا الى الفصل الاخير من مسلسل غرب اسيا اي الشرق الاوسط بالمنظار الأميركي. فبعض سمات المرحلة المقبلة بحسب مزيج من المعلومات والتحليلات:

1 – تسوية الملف الايراني بتركيع النظام في طهران وجلوسه على طاولة التفاوض وتحجيم تأثيره بقوة في المنطقة (طرح مسألة التخلص من ميليشياتها بالإضافة الى البرنامج الصاروخي الباليستي) وصولا في ما بعد الى تغيير النظام وربما في مراحل لاحقة تفكك الدولة الايرانية اثنياً وعرقياً.

2 – تسوية ملف فلسطين على قاعدة ابقاء القديم على قدمه (اسرائيل ومن ضمنها فلسطين) مع تغييرات في القيادات.

3 – تسوية الملف السوري، بنظام تقسيمي ثلاثي الابعاد (اميركي ـ روسي ـ تركي)، وسلطة مركزية منتخبة ونظام علماني وعودة سوريا الى الحضن العربي والخليجي والاوروبي.

4 – ابقاء اليمن متخبطا وحده حتى تقسيمه مجدداً.

5 – تثبيت فدرالية في العراق بحكم مركزي ديمقراطي توافقي بين المكونات الطائفية.

6 – تثبيت دولة كردية على الحدود المشتركة بين سوريا والعراق بتحالف مع الاميركيين والناتو.

7 – انتقال اجندة الاميركيين الى المواجهة الكبرى مع الصين في جنوب وشرق اسيا وتحويل الدور الايراني الى كشمير وباكستان لتثبيت قطع خط الحرير الصيني نهائياً.

وبالانتظار، لبنان على مشرحة تحقيق التسويات الاقليمية في ظل سلطة مرتهنة لأجندة إيران.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل