كلّنا… إيمان

إذا كان للجنّةِ بابٌ حدودُه تطهيرُ الأعمالِ ومُغالبةُ الأهواء، غيرَ أنّ مفتاحَه هو الإيمانُ الذي، له وحدَه، تُشرِّعُ الجنّةُ ساحتَها. وهناك، يقعُ الإيمانُ من نفسِ الجنّةِ موقعَ السّحر، فهي مسقطُ رأسِهِ، وأصلُ نَسَبِه، وبذرةُ طينتِه. وعندما يُجَرَّعُ القلبُ والعقلُ من جداولِ الإيمان، ويشبُّ هواهُ في خزائِنِهما، ساعتذاك، تجري، بينَ أيديهما، أسبابُ الغلَّة.

مَن يجعلُ الإيمانَ لباسَه المعروف، لا يمكنُ أن يشغلَ شريطاً ضيّقاً في قلبِ الوطن. من هنا، فالقواتُ اللبنانيةُ لم تتخّذ الإيمان شعاراً، فحسب، بل التزمَت بهِ إستراتيجيةً مقدّسة، واستوطنَته رجاءً خلاصيّاً في وجدانِها، ومركزاً مفصليّاً في سلوكِها المَحسومِ وطنيّاً.

أمّا لماذا العودةُ الى هذا الشّعارِ النّابضِ بالتطلّعِ الى فوق، فلأنّ المشهدَ اليوميَّ، عندَنا، كرَّسَ انقباضَ العزيمة، وبشاعةَ الخيبة، وهشاشةَ الثّقة، ومصيبةَ الإحباط. وليس غريباً أن يُصابَ الشّعبُ بانهيارِ الأملِ، وبالغربةِ عن تَلَمُّسِ الخلاص، مع ذَوي الألقابِ الدجّالين من مُمتَهِني تدميرِ الوطنِ، وتَيئيسِ ناسِه، الذين يتقمّصون، زوراً، “الوطنيّةَ النِّضاليّة”، وما وطنيّتُهم تلك، في حقيقتها، سوى تخرّصاتٍ وأكاذيبَ لم تعدْ تنطلي على أحد.

العودةُ الى الإيمانِ ليسَت فولكلوراً خشبيّاً يَأوي إليه أولئكَ الذين هم بحاجةٍ الى استصلاحٍ مسلكيٍّ، للتَّمويه، وإِنْ فعلوا، لن يصدِّقَهم عاقِل. فأيُّ مَدٍّ للجسورِ، بينهم وبين الإيمان، لن يمرَّ، ولو صاغوا له ألفُ حجّةٍ سفسطائيّة. إنّ أسبابَ انحطاطِهم مشدودةٌ الى طبيعتِهم المتخلِّفة، والى خلقيّاتِهم التي باعوها بأبخسِ أثمانِ الفسادِ، وبتحالفِهم الأَرعَنِ مع التبعيّةِ وأَقبيةِ التّنكيل، وبتشبّثِهم بإقطاعاتِ الرِقِّ الممقوتة، حتى باتوا، بارتكاباتِهم الشّنيعة، برابرةَ عُصورِ الظّلامة، ومن دونِ مُنافِس.

إيمانُ القوّاتِ يعني القدرةَ على الصّمودِ في وجهِ الخَوف، والتمكُّنَ من صَدِّ تَسَلُّلِ اليأسِ الى تطلّعاتِ الذّات، والتّوقَ الى ترسيخِ خطٍّ أحمرَ عريضٍ يمنعُ تسطيحَ فكرةِ الوطنِ في الوجدانات. إيمان القوّاتِ ليس حيثيّةً معزولةً، بقدرِ ما يُعلِنُ عن أنموذجٍ راقٍ لنقلةٍ نوعيّةٍ الى إِشراقٍ راقٍ يلوِّنُ حلمَ التّرابِ بالأَمل. إيمانُ القوّات حقيقةٌ تؤكِّدُ على أنّ القلبَ الذي تَماهى مع الأرضِ، لا يزالُ في مكانِه. إيمانُ القوّاتِ إقرارٌ بأنّ لبنانَ هو اللَّحظةُ النّادرةُ في تاريخِ الكَون.

لقد جهدَت أبواقُ أنصافِ الرِّجالِ لإِلصاقِ التُّهَمِ بالقوّاتِ، وبإيمانِها بالوطن، بِهدفِ الطَّعنِ المُغرِضِ بها، إنعاشاً لمواسمِ حقدِهم، وتحريضاً على مناضِلينَ عاصينَ عن التَّدجين، وغفلَ عن هؤلاءِ الدُّمى أنّ إيمانَ القوّاتِ يختصرُ، وحدَه، سُنَّةَ الوطنيّةِ بأكملِها. ولربّما تسري على مُدمِني الإِسفاف، وهَمَجِ الإبتلاءِ بالعَمى، حكمةُ الصّينِ التي تقولُ: “إذا أشارَ العاقلُ بإصبعِهِ الى الشّمس، فالبُلَهاءُ لا تتخطّى أَبصارُهم الإِصبَع”.

أيّها القوّاتيّون، إيمانُكم كهَلِّ النّدى، يُرَمَّمُ به عطشُ لبنانَ الى الخَصب. إعلَموا أنّ الموبوءينَ الذي يتحكّمون، جُوراً، بمساراتِ الأحداث، لا يكرهونَكم لعُيوبِكم، بل لمزاياكم، وإذا طوّلوا ألسنَتَهم، كَيداً، فذلك دليلٌ على أَنْ ليس لديهم ما يقولونَه، فهؤلاءِ يعيشون في الزّمنِ الرّديء، بحيثُ لن يُقَدَّرَ لهم أن يفهموا حقيقةَ رحلتِكم مع الوطن.

عسى أن ينتقلَ إيمانُكم، بالعَدوى، الى الجاحِدين المُسَيَّرينَ بالشرّ، لنَنجُوَ من تزييفِ وطنيّةٍ يموِّهونَها بألفِ عنوان، فلا يُرفَعُ، بعدُ، إلّا عنوانٌ وحيدٌ هو: “كلُّنا… إيمانٌ بلبنان”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل