الشّيعة في لبنان لا يُختَزَلون ولا يُتَّهَمون

 

بعدَ زيارةِ وفدٍ للقواتِ اللبنانيةِ الى المجلس الشّيعي الأعلى، وردَ في إطلالاتٍ لبعضِ السّابِحينَ في الماءِ العَكِر، الذين تُثَوِّرُهم العصبيّةُ المَقيتة، ما يُشيرُ الى استهجانِهم استقبالَ مَن أَلصَقُوا بالشّيعةِ تهمة باطلة هي مسؤوليةُ رزح الوطنِ تحتَ النَّكبةِ الكبرى، ليبقى الخوفُ جمرةً بِلا انطفاء، تَقضي على ما تبقّى من جثّةِ الوطن.

زيارة وفدٍ من القواتِ اللبنانيةِ الى مقرِّ المجلسِ الشّيعي الأعلى، تهدفُ، في رأسِ ما تهدفُ إليه، الى التأكيدِ على أنَّ الطائفةَ الشّيعيةَ هي أكبرُ، وأنبلُ، من أنْ تَغتالَ مبادرةَ إنقاذِ لبنان. وبالتالي، فالاستفزازات الخطابيةُ الهجينةُ التي يروِّجُ لها الماكرون المُستَقوون، هي أقربُ الى الضَّجيجِ الفِتنَويّ الذي ليس للشّيعةِ، كطائفة، يَدٌ، فيه. وفي هذا الموقفِ المُعلَنِ من القوّات، نُبلٌ وطنيٌّ موضوعيّ، في مُقابِلِ رَدّةِ فِعلٍ غوغائية، واعترافٌ صريحٌ بِما تَتَّصّفُ بهِ الطّائفةُ الكريمةُ من تَرَفُّعٍ مشهود، ومزايا خُلُقيّةٍ راقية. وهكذا، جاء الموقفُ ذَكيّا، رافضاً الانجرار الى لُعبةِ الفتنةِ المُغرِضَة، لِتَوطينِ البلادِ في النّار.

ويَجدرُ بِنا، في هذا الصَّدَد، فَصلُ الطائفةِ الشيعيةِ، كمواطنينَ يمحضونَ الوطنَ ولاءَهم، عَمّا يُسَمّى الثّنائيّ الشّيعيِّ الذي يستأثرُ بالتّمثيلِ الطائفيّ، لأسبابٍ وأهدافٍ لا تَخفى عن العاقِل، وعن الأحاديّةِ الشيعيّةِ المسلَّحةِ التي يجرفُ وجودُها المستَبِدُّ الوطنَ الى هاويةٍ سحيقةٍ، لا قدرةَ، له، على الخُروجِ منها. وبالتالي، فقد مزَّقَت هذه الحيثيّةُ غيرُ الشرعيّةِ جوازَ سَفَرِ الوطنِ الى العافية، بانتهازيّةٍ سُلطَويّةٍ ليسَ لها صِلَةٌ بالوطنيّة، وفي ظروفٍ قَهّارةٍ، يسكنُ، فيها، الوطنُ في جحيمِ الجَمرِ، واليأسِ، والانكسار، والجوعِ، والفقرِ، وكأنّه يتحضَّرُ لِمَثواهُ الأخير. بينما يتنفّسُ القاطِنونَ في دويلةِ “المَلالي”، مِلءَ رغباتِهِم، لا إِرثَ للمحنةِ في جعبتِهِم، شاذّينَ عن وطنٍ مَغصوبِ الأَمل، وكأنّهم، بالفَرضِ، يريدُون أن يُميتوا لبنانَ “شهيداً”. أمّا الطّوباويّةُ التي يتوسّلُها هؤلاءِ، تمويهاً، فلم تمرَّ إلّا على السُّذَّجِ الذين يَرعَون الغُبار، وعلى أصحابِ الشِّراعِ المُمَزَّقِ في بِركةِ الوطنِ المُتَمَوِّجة، والذين يتذاكونَ بالتَشَبُّثِ بأنّ “الآحاديّين” المُسَلَّحين هم فوقَ كلِّ شُبهَة.

من هنا، تأتي زيارةُ وفدِ القوّات لتبيانِ أنّ المُمسِكَ بالسّلاحِ اللّاشَرعيّ، والمُلَوِّحَ به، لم يستطعِ إقناعَ أكثرِ اللبنانيّين، وأكثرِ الشّيعةِ، بأطروحاتِهِ الواهية، ولم يَقدرْ على استمالةِ هؤلاءِ بالأسلوبِ الذي تخطّى ضوابطَ المنطقِ والاعتدال، وتفلَّتَ من قمقمِ الحِجّة، متوكِّلاً على فائضِ القوّة، والتَّحميسِ الطّائفيّ، وتَجييشِ المشاعرِ العَصَبيّة، واستِذكارِ ما فاتَ في زنزانةِ الزَّمن. وما ذلك، كلُّهُ، سوى محاولةٍ لاستِدرارِ تأييدٍ لرغبةٍ طُغيانيّةٍ تتمدَّدُ على مساحةِ الوطنِ، جارفةً، معها، الطائفةَ الشّيعيةَ التي هي، منها، بَراء.

أمّا قَولُ بعضِهم إنّ الطائفةَ الشّيعيةَ، بأسرِها، في عَينِ العاصفة، وهي مُستَهدَفةٌ، بكاملِها، ففي هذا القولِ خطورةٌ، وفشلٌ، في آنٍ واحد. فالخطورةُ تكمنُ في زَجِّ الشيعةِ، كطائفة، في مواجهةٍ مع المجتمعِ اللبنانيّ، بكلِّ مُكوِّناتِه وشرائحِه التي لم تُشِرْ، يوماً، الى أنّها في وارِدِ إعلانِ حربٍ ضَروسٍ على مَن يُشاركُها الجوعَ، والعَوَزَ، والقلقَ، والألم، في وطنٍ مَنكوبٍ، ينسحبُ نُواحُهُ على الجميع. إنّ الخطورةَ تتمثّلُ في تحريضٍ مُغرِضٍ للشّيعةِ على المجتمعِ اللبنانيّ، والشّيعةُ في غِنىً عن هذا الموقفِ السَّلبيِّ الذي لن يُؤدِّيَ الى أيّةِ نتيجة، فهم، مع غيرِهم في نسيجِ لبنان، واحدٌ لا يتجزَّأ. وفي هذا المجالِ، لا بُدَّ من الإشارةِ الى واجبِ تَحفيزِ الذين لا يزالون في صمت، من بعضِ أركانِ الشّيعة، لإعلانِ مواقفَ تُندِّدُ بِما يريدُهُ بعضُ المُفتِنينَ من تابِعي الشياطين، من زجٍّ للطائفةِ في أَتونِ مواجهةٍ عقيمة، لا ترضى بها، وبالتالي، لإعلانِ أنَّ الشّيعةَ ليسوا، جميعاً، في عِدادِ هذا الصفِّ الذي لا يَختصرُ كلَّ الشّيعة، أبداً.

أمّا الفشلُ فيبدو، واضحاً، في نُضوبِ الإقناعِ لدى الجهةِ المُنحازةِ لما وراء مساحةِ الوطن، وافتقارِها للبرهانِ السّليم، لذا، تلجأُ الى التّهويلِ والتّوتيرِ الطائفيِّ الفِئَويِّ المَمجوج، اللّذَين يُشكّلان السِّلاحَ المُخزيَ، والسِّتارَ الذي يمكنُ أن يتلطّى، خلفَهُ، مُرَوِّجو التَعَصُّبِ، الخارجونَ من الحُفَر.

في الخِتام، أرادَت زيارةُ وفدِ القوّات التّعبيرَ عن قناعتِها بأنّ الشّيعةَ ليسوا مَكسرَ عصاً لِأَحد، ولا يجوزُ أن يتلقّوا الضرباتِ، عن أحد، فعلى الّذين يريدونَ إِحراجَ الشّيعةِ، من أَهلِ بيتِهم، لإِخراجِهم وتَطويعِهم، وسَوقِهم الى حيثُ لا يريدون، أن يتذكرّوا أنّ نَبضاً، في شرايينِ الشّيعةِ الأَقحاح، لطالما صرخَ: “هَيهاتِ مِنّا الذِلّة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل