
“مكافحة الفساد” شعارٌ طالما رفعه المسؤولون عن الهدر وإفلاس الخزينة العامة، وصولاً إلى إفقار الشعب وإذلاله بعدما تَغنّوا وتنعّموا بلبنان “سويسرا الشرق” ونافذة الاستثمار وواحة سياحية بامتياز.
وبعدما فُقِدَ الأمل في أي إصلاح وتغيير في الواقع الأليم المأزوم، خرج من قصر الأونيسكو أول من أمس مشروع قانون “استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد” الذي وقّعه رئيس مجلس النواب نبيه بري من ضمن مشاريع القوانين التي أقرّها مجلس النواب في جلسته العامة، وأحالها إلى الحكومة.
هذا القانون لم يتلقّفه اللبنانيون بأمل في ضبط الفساد وكشف الفاسدين، فبعضٌ ذهب إلى حدّ اليأس من تحقيق شيء من “حلم” الإصلاح، والبعض الآخر راهن على عامل الوقت لتبيان أي مؤشر يؤكد إصابة الهدف.
الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة يجمع الفئتَين معاً، “بما أن مجموعة من المعتبَرين فاسدين قد وافقت على هذا القانون”، ليضيف: هذا الأمر يثير الشكوك”.
ويتوقّع، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “أن يأخذ التطبيق وقتاً طويلاً قد يمتد أشهراً، بل سنوات، إذ سبق أن أعطوا مهلة سنة للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، مضى منها ستة أشهر ولم يحصل شيء حتى الآن”.
من هنا، يرى حبيقة أن “المعيار الوحيد لنجاح قانون استعادة الأموال المنهوبة هو القبض على مختلِس واحد لأموال الدولة، عندها يصدّق الرأي العام أن النية صائبة والمقصد جدّي بمحاربة الفساد”.
لكن حتى الآن “لا أؤمن بأنه سيتحقق شيء من هذا القبيل”، بحسب قوله، “بل سيقتصر الأمر على إضاعة الوقت بين التمييع والمماطلة من دون إصابة الهدف أو الوصول إلى النتائج المرجوّة، فيما الناس لا تعطي أولوية لهذا الأمر حالياً كونها منشغلة في تأمين الرغيف وسدّ جوعها وعَوَزها”.
لكنه يردف، إذا غصنا في موضوع الفساد، نرى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في القوانين، بل في المسؤولين عن تطبيقها، من هنا إذا تم تغيير القوانين وبقي الأشخاص المسؤولون نفسهم، فلن يحدث أي تغيير البتّة. ويذهب بعيداً إلى حدّ القول إن “فكرة تغيير القوانين توحي بالذهاب نحو الأسوأ لعدم وجود نية بالإصلاح والقبض على الفاسدين، إلا إذا أثبتوا العكس وألقوا القبض على فاسد واحد على الأقل”.
ويبدي حبيقة تخوّفه من “صياغة قوانين سيّئة، شخصيّة كانت أم مالية، تبقى إلى أبد الآبدين من دون أي تعديل”، كاشفاً عن “اللجوء إلى استبدال القوانين الجيّدة بأخرى سيّئة بإدارة مسؤولين فاسدين حتى لا يعود هناك من مجال لتعديل القانون الفاسد”، مضيفاً، عندما يكون المسؤولون عن مكافحة الفساد سيّئين لا نعود نأمل خيراً بشيء.
موازنة 2021 لم تعد مُلحّة
وإذ يبدى قلقه من “سوء الأداء المتحكّم بالبلاد”، يعتبر أن “في عدم التئام مجلس الوزراء لإقرار هذا القانون ومشروع قانون موازنة العام 2021، ما يدل إلى أن كل الكلام عن انعقاد جلسة للحكومة يبقى في إطاره الاستعراضي لا أكثر. لكن في حال التأمت وأقرّت القانون سيحال إلى رئيس الجمهورية لتوقيعه قبل أن يأخذ مسار التنفيذ”. ويضيف، لذلك يمكن الاستخلاص أن عدم انعقاد مجلس الوزراء قرار مدروس مسبقاً كي لا يتم إقرار القانون.
وفي المقلب الآخر، يرى حبيقة أن “لا معنى الآن لإقرار موازنة 2021 كوننا أصبحنا في الشهر الرابع من السنة واللعبة مدروسة كي نصل إلى آخر السنة فيقولون عندئذٍ “لقد صرفنا من خارج الموازنة العامة لعدم إقرارها”.
ويتأسف لأن “لا أمل لدي في التغيير، خصوصاً أن المسؤولين لا يرون في الثورة أي قوة ضاغطة، فيمرّرون ما يشاؤون مما يخدم مصالحهم، ولديهم القدرة على تمرير أكثر لكنهم يعدلون عن ذلك خوفاً من الانفجار الاجتماعي لا احترام للمواطن إطلاقاً. سلبوا منه أي أمل في الإصلاح وفي أي شيء للمستقبل. الخطير في الأمر أن المواطن اليوم مكشوفٌ اقتصادياً واجتماعياً، ليس لديه أي سند يقيه شرّ الفقر والعَوَز، هل تستيقظ الضمائر؟”.