تجربة الصّليب برَسم الإنسان

على الصّليب، لم يَحرقْ يسوع مواسمَ الوحي، فتمدّدَ صلبُه فوق كلِّ المسافاتِ على مُنفَسَحٍ إنسانيٍّ شموليّ، حتى باتَ الصّليبُ، بِحدِّ ذاته، عالَماً متفلّتاً من رابطِ الأزمنةِ والمطارح. وغاصَ الجرحُ في أحاسيسِ الكَون، فأضحى جرحَ كلِّ إنسانٍ في كلّ زمان ومكان. واهتزتّ الخشبة، فمن حقِّها أن ينتابَها شعورُ الاعتداد بأنّ على يَدَيها كان خلاصُ العالَم. وتكاملَ الموتُ مع يسوع حتى وصلَ الى إعلانِ شيءٍ كالوصيّة، فيها من الخطورةِ الكثير، فالكفاحُ في سَبكِ النّقاءِ يَفوقُ مفهومَ البشر، وكذلك فعلُ الفداء.

لم ينسَ يسوع جراحَه فوق الخشبة عندما أُنْزِلَ عنها، وإنْ ظلّت معنا مُلتصقةً بها، لأنّ ظلّ الإنسانِ في المَصلوبِ طَغى على الأُقنوم، وكإنسانٍ اختبرَ الموتَ واليأسَ والعدمَ والتّلاشي. لكنّه لم يُخطِئ المرمى كالنّاسِ الذين تُنَغِّصُ الجراحُ عَيشَهم، بل حوّلَها، ومن دونِ عجيبةٍ، الى تجربةِ فرح، ودعا الناسَ الى تَلَمُّسِ مَطايبِها. فلا معنىً للنَّدبِ على مسيحٍ مَقهور، لأنّ الجمعةَ العظيمةَ عظيمةٌ بِتَناسُلِ الفرحِ في الأُمَم.

يتفرّدُ يسوع في أَلَمِهِ العجيب، أو الألمِ الذي استطاعَ أن يَستضعفَ الإلَه، فأيُّ واحدٍ منَ الآلهةِ يَسمحُ بأن تَنزحَ قوافلُ قواه في هجرةٍ ذاتِ وُجهةٍ واحدة، ومن دونِ حنينٍ إليها؟ الحقيقةُ أنّ في تاريخِ يسوع لحظاتٍ لم توجَدْ لغيرِ دلالة، فيومُ ألمِهِ شَوّهَ الضّعفَ البشري، والنّزفُ افتخرَ بانتمائِهِ الى الخشبة، وغلَبَتْ فيهِ كُنيةُ الجنّةِ على السَّماء.

لم يُدَوّنْ يسوع بصلبِهِ عقيدة، بل أَوحى بها، لذلك كان وَهجُ الخلاصِ مُعافىً. فالخلاصُ دائمُ الالتصاق بالتَحَرّر، هذا الذي يَتَفوّقُ على اللّاهوتِ ونَزواتِ النّظريّات، ويقتربُ من بهاءِ الألوهةِ الصّافيةِ والمعرفةِ البريئة. ولإنّ التَأَنُّسَ مع يسوع لم يَتطلّبْ جُرحاً، والألوهةَ لم تَفرضْ عجائب، كانَتِ النعمةُ أن نفهمَ يسوعَ ببساطة، وأن نَحرمَ أنفسَنا من حشدِ الفلسفاتِ والطقوسِ وحَشْرَجاتِ العهدِ القديم. فبساطةُ يسوع وحدَها امتدَّت على الأيّام، مَلأى بِتَطييبِ المخافاتِ التي تَطبعُ وِقفةَ الناسِ من المصير، وتَختصرُ الأبعادَ الكونيّةَ والوجودَ وما بعدَه بتلك النعمة.

صليبُ يسوع أَقرَبُ الى الصّرخةِ منه الى الدَّمعة، وأَوثَقُ بالثّورةِ التي من غيرِ إِعدادٍ منه الى الاستسلام و”لماذا تركتَني”. صليبُهُ مَصروفٌ الى إيقاظِ المفقودِ في النفوسِ المشحونةِ بألفِ هَمّ، يَسعى الى إشراكِ الإنسانِ بِفِعلِ الخَلاص. صليبُه انطلاقةٌ باقيةٌ وليس خطابَ تَمَلْمُل، أو خطّةَ منافَسَةٍ إثنيّة، وهو ليسَ نغمةً لتنقطعَ أو مشهداً ليُخطَفَ أو كلمةً لتُختَصَر، إنّه ثقافةُ المحبّةِ التي يُدرِكُ بها الإنسانُ ضآلةَ دُنياه، وهي المحبّةُ التي لا تَرسمُ علاماتِ استفهامٍ حولَ الحياة، هي تُعْرَفُ ولا تُسْأَل، وإذا سُئِلَتْ أُصيبَتِ المعرفةُ بالخَيبة.

لم تكنْ مَهمَّةُ الصليبِ سوى اكتنازٍ لمضمونِ الإنسانِ في الإله، وهنا بالذات عظمةُ التَجاوُزِ في العهدِ الجديد، ولم يكنْ طموحُهُ أبداً القيامة، هذه التي عَجَّلَ العقلُ في إحالتِها الى مُسَلّماتِ الغَيبِ والشَكّ، لأنّ الصّليبَ وحدَهُ تَخطّى إطلالةَ العقلِ، وجايَلَ الحقيقةَ من غيرِ تَوَكُّلٍ على إيمانٍ ماوَرائِيّ، فهو اختصرَ تجربةَ التَأَنّسِ من دونِ استعراضٍ لقُدراتِ الإلهِ المُنتصِرِ على الموت، فباتَ الصليبُ للناسِ، على تَقادُمِ الزمن، إنتاجاً للرّجاءِ غيرَ مَسبوق.

صناعة الصّليبِ التي نادى بها يسوع، لم تكنْ يوماً دعوةً الى الوَجَعِ ولا طَأطَأةً لرَأس، بل لإعادةِ الإنسانِ الى مكانِهِ من مواضعِ الحقِّ والخيرِ والطمأنينة، كبيراً على الدّنيا، ليُثبِتَ الصليبُ دَوماً أنّه إِمكانٌ لوجودٍ مَلآن.

أيّها المصلوب، لو تَسَمَّرَ الواحدُ مِنّا مرّةً على صليبِكَ، لَأَصبحَ إِلهاً.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل