.jpg)
حطبٌ يابسٌ ودخان، لا أكثر ولا أقل. يسعى الساعون ويبادر المبادرون ويحاولون ويحاولون، وتذهب المساعي والمبادرات والمحاولات كلها أدراج الدخان. تتبدل الأرقام بين 18 و24 وزيراً، والنتيجة واحدة، لا حكومة. ومن يدري بأي رقم تطالعنا بورصة الأرقام في الأيام والأسابيع المقبلة؟ أما المعنيون عندنا، وفيما الشعب يجوع والبلاد تنازع وتُسمع حشرجاتها الأخيرة إلى أقاصي الأرض، لا يتحرك فيهم أي حدٍّ أدنى من الشعور بالمسؤولية، بل من الإنسانية، وقد تحوّلوا وحوشاً ضارية في أرض مباركة جعلوها غابة للموت.
هذا الواقع المؤسف، يطبع المشاورات في الأيام الأخيرة حول تشكيل الحكومة، والتي تتصدرها محاولات رئيس مجلس النواب نبيه بري لتمرير حكومة الـ24. فهل يمكن أن تؤدي العودة إلى الحكومات السياسية الموَّسعة المموَّهة التي أثبتت فشلها إلى الحل المنشود وإنقاذ البلد؟ وإن استعصى الاتفاق على حكومة الـ18، هل يكون الحل بتوسيع الحكومة إلى 24 وزيراً، علماً أنه كما يروَّج لن يكون لنائب الرئيس أي حقيبة؟ بالتالي هل من السهل التفاهم على وزراء الإضافة الستة وتوزيع الحقائب والطوائف والتمثيل؟ وماذا يبقى من حكومة الاختصاصيين المستقلين المشترطة داخلياً ودولياً لمحاولة استعادة الثقة ومدِّ يد المساعدات للبنان، وإلا “دبّروا راسكم؟”.
المحلل السياسي علي حمادة، لا يرى أن الأجواء إيجابية على صعيد تشكيل الحكومة. ويشير إلى أن “الحل المقترح من قبل بري لا يلقى، حتى الآن، تجاوباً من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون. ومن الواضح أن تباطؤ عون في الرد لغاية اليوم، بعد مرور أكثر من أسبوع على طرح هذه الفكرة، يعني أن الأمور لم تسلك طريقها نحو الحل”.
ويعتبر حمادة، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “هناك ترويجاً لبعض الإيجابيات، لكنها غير ملموسة. وربما هي إيجابيات نتجت عن جملة وردت في الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، مساء الأربعاء، بأنه آن الأوان للإفراج عن الحكومة، ليس أكثر. علماً أن نصرالله لم يكن واضحاً في هذه النقطة، وربما أراد أن يرمي هذه الجملة درءاً للتُهم التي تنهال على الحزب بأنه يعطِّل لحساب الأجندة الإيرانية والتفاوض الإيراني الأميركي”.
ويشير، إلى أن “نصرالله لا يريد أن ينفي مباشرة، لكن الجملة القصيرة التي أطلقها هي في معرض النفي. بمعنى أنه أعطى نفحة تفاؤلية ربما لنفي اتهامه بأنه مَن يقف حقيقةً خلف تصلُّب عون ومعه النائب جبران باسيل ويغطِّيهما. فعون وباسيل يتصلَّبان لأسباب خاصة تتعلق باستحقاقات رئاسية ومصلحية سلطوية، يستغلها ويستفيد منها حزب الله في إطار الأجندة الإيرانية”، معتبراً أن “ما يتم تداوله عن تسهيلات في الملف الحكومي مجرد دخان، لكن لا شيء إيجابياً حقيقياً في الأمر”.
وبرأي حمادة، “لا تقدُّم إيرانياً أميركياً ملموساً حتى الآن كما يبدو. وربط الحكومة اللبنانية بمفاوضات الملف النووي بين واشنطن وطهران ليس في مكانه. فالأميركيون صعَّدوا منذ أيام ضد حزب الله من خلال عرض مكافأة تبلغ 10 ملايين دولار لقاء معلومات تؤدي إلى تحديد مكان أو هوية سليم جميل عياش. علماً أن الأخير ليس متهماً بقتل مواطنين أميركيين، إنما متهم بأنشطة تهدِّد الأميركيين أو قد تعرّضهم للخطر، لكنه غير متهم بدماء أميركية على يديه، بحسب النص كما ورد عن وزارة الخارجية الأميركية لتعليل المكافأة”.
ويلفت، إلى أن “المبلغ المطروح للإدلاء بمعلومات عن عياش يساوي المبلغ على رأس قائد جبهة النصرة محمد الجولاني، وذاك الذي وُضع على رأس خليفة البغدادي في قيادة تنظيم داعش محمد سعيد عبد الرحمن المولى. أي أن الأميركيين يساوون ما بين حزب الله والقاعدة وداعش. وهذه نقطة مركزية وتصعيد أميركي بهدف إرسال رسالة للإيرانيين بأن التفاوض معكم كدولة ونظام شيء، أما حزب الله فهو مصنَّف والتعامل معه يتم كما مع داعش والقاعدة”.
لذلك، يضيف حمادة، “هذه الإشارة الأميركية تُنبئ بتصعيد أميركي في ما يتعلق بالملف اللبناني، وباصطفاف أميركي إلى جانب الحلفاء العرب في ما يتعلق بتصنيف حزب الله والمقاربة لهذا التنظيم، الذي هو نظرياً لبناني لكن فعلياً هو تنظيم إيراني. بالتالي كل ما يحكى عن تطور إيجابي على صعيد تشكيل الحكومة غامض، وقد يكون فقط لملء الفراغ. علماً أننا ندخل في إجازة الفصح التي سيستغلها المعنيون لإمرار الأيام المقبلة من دون أي عمل جدي”.
ويشدد، على أنه “أكثر من ذلك، يجب التوقف عند موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في الفيديو المسرَّب، والذي يدلّ على أن الأمور ليست إيجابية في لبنان. فالراعي يملك معلومات، وقال كلاماً قاسياً عن حزب الله، ما يذكّرنا بمواقف البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير الوطنية والمبدئية”، معتبراً أن “الراعي يتصدَّر المعارضة اليوم في مواجهة ضرب الكيان اللبناني وتهديد لبنان بالزوال”.
