البطريرك متخوّف من الفوضى: الحياد يجمعنا والانحياز يفرّقنا

منذ أطلق البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي مبادرته حول حياد لبنان في تموز 2020 عمد جمهور حزب الله إلى الاستهزاء بهذا الطرح وبقدرات بكركي التي لا تملك جيشاً ولا صواريخ لفرض مبادرتها بالتزامن مع حملة تخوين وشتائم طالت الصرح البطريركي، وبلغت الحملة على البطريرك بعد دعوته إلى عقد مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان حد إطلالة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله للتهديد واعتبار التدويل استقواء ودعوة لاحتلال لبنان ولنشوء حرب أهلية، قائلاً «ما حدا يمزح معنا» معتقداً أن التهويل على بكركي سيدفع بالراعي إلى التراجع عن موقفه وإعادة النظر بمبادرته. إلا أن هذه التهديدات كان لها مفعول عكسي في الصرح البطريركي الذي شكّل ساحة للثوّار في 27 شباط/فبراير حيث أطلّ بطريرك الموارنة من على الشرفة ليخاطب المحتشدين 17 مرة بعبارة «لا تسكتوا» وبينها «لا تسكتوا عن السلاح غير الشرعي». وجاءت الهتافات المندّدة بسلاح الحزب في باحة الصرح لتثير حفيظة الضاحية الجنوبية التي هالها عدم إقدام الراعي على إسكات من يهتفون «إرهابي إرهابي حزب الله إرهابي» و»إيه ويلا إيران إطلعي برّا».

وحاول حزب الله احتواء مبادرة البطريرك وتنفيسها أولاً من خلال التشديد على وجوب حصول توافق داخلي وطني حولها، وثانياً من خلال إحياء لجنة الحوار مع بكركي، المتوقفة عن الاجتماعات منذ زيارة البطريرك إلى القدس قبل سنوات، أملاً في كسب الوقت. لكن المفاجأة جاءته قبل أيام من خلال تسريب فيديو للبطريرك يتوجّه فيه للمرة الأولى بهذا الوضوح إلى حزب الله، مستغرباً شرط التوافق على الحياد في وقت لا يطلب الحزب التوافق قبل إجبارنا على الذهاب إلى الحرب. قبل ذلك، حاول التيار الوطني الحر المُحرَج مسيحياً يعد مواقف البطريرك وتأثيراته السلبية على تفاهم مار مخايل الموقّع بينه وبين حزب الله، إقناع الراعي بجدوى العلاقة مع الحزب وعدم استفزازه بطرح الحياد أو التدويل والإفادة من هذا التفاهم لتحسين وضع المسيحيين وحقوقهم، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح أيضاً في ظل اعتبار بكركي أن المسألة المطروحة اليوم ليست حقوق المسيحيين ووزيراً بالزائد أو بالناقص، بل هي مسألة وجود لبنان وتثبيت هويته وسيادته، مع تسجيل أن نواباً بارزين في التيار فضّلوا ألا يلعبوا هذا الدور مع البطريرك وفي طليعتهم ابراهيم كنعان وآلان عون وسيمون ابي رميا، فوقع الاختيار على أسماء نيابية لصيقة جداً برئيس التيار جبران باسيل.

لا عودة إلى الوراء

وفي قراءة لما حقّقته مبادرة البطريرك لغاية تاريخه، أنها أعادت البريق إلى الدور الوطني والمعنوي التاريخي لبكركي وأكدت أن المرجعية المسيحية ليست في قصر بعبدا ولا في مقرّ التيار العوني في ميرنا الشالوحي بل في بكركي، وأن هذه المرجعية لا تغطّي حزب الله ولا سلاحه. وقد شكّلت مبادرة الراعي نداء مماثلاً لنداء مجلس المطارنة الموارنة الشهير في 20 ايلول/سبتمبر عام 2000 برئاسة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير الذي طالب يومها بجلاء الجيش السوري، واستهزأ حينها أيضاً حلفاء سوريا بهذا النداء وبمفاعيله إلى أن تحقّق الاستقلال الثاني وخرج الجيش السوري من لبنان بعد 5 سنوات إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وكما معركة الاستقلال الثاني بقيادة صفير كذلك معركة الاستقلال الثالث لتحرير الشرعية والدولة بقيادة الراعي حيث رُفع شعار «لكل احتلال بطريرك» في إشارة إلى الهيمنة الإيرانية ونفوذ حزب الله على الدولة اللبنانية والقرار اللبناني. وإذا كان نداء المطارنة استغرق بعض الوقت كي تتحقّق مفاعيله بخروج الجيش السوري، فإن مبادرة الراعي اليوم ليست قراراً يُنفّذ على الفور بل هي مسار قد يحتاج تطبيقها إلى وقت، لكنها رسمت خريطة طريق للحل وبالتالي لا عودة إلى الوراء، وقد بدأ التجاوب مع هذه المبادرة من قبل شرائح لبنانية واسعة في الطائفة السنية ولدى الدروز وحتى داخل البيئة الشيعية حيث دفع الناشط لقمان سليم حياته ثمناً لمواقفه ومعارضته محور الممانعة.

وإلى التجاوب الداخلي الذي لا يُعبّر عنه جهاراً خشية الانزلاق إلى فتنة، هناك تأييد من الفاتيكان الذي عبّر عن خشيته من خطر إضعاف المكوّن المسيحي على التوازن الداخلي، وحيث يستعد البابا فرنسيس لزيارة لبنان على غرار زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1996 التي أحدثت تغييراً في الأوساط المسيحية في عزّ سجن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع ونفي الجنرال ميشال عون. ويُضاف إلى التأييد البابوي تجاوب عربي ودولي عبّرت عنه زيارات سفراء عرب وأجانب إلى بكركي، وإن تكن المواقف العربية والدولية المؤيّدة لم تصل بعد إلى حد تبنّي طرح الراعي في الأمم المتحدة، حيث يتطلّب الأمر قيام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي تواصل مع البطريرك بعرض المسألة على الدول الأعضاء أو قيام إحدى الدول الخمس من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بطرح الفكرة.

السلاح غير الشرعي

وإذا كانت فرنسا طرحت مبادرة للحل في لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، فهي تؤيّد مواقف البطريرك الذي التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الصنوبر، ولكن باريس تبدو مهتمة أكثر بوقف الانهيار من خلال الإسراع بتأليف حكومة، في وقت يعتبر البعض أن وجود مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان التي تضمّ سفراء فرنسا والمانيا وإيطاليا والاتحاد الروسي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة يساعد بحد ذاته، وهذه المجموعة لا تتوانى في كل مناسبة عن التذكير بضرورة بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وتطبيق قرارات مجلس الأمن بكامل مندرجاتها سواء القرار 1701 أو القرار 1559 المتعلق بالسلاح غير الشرعي.

من هنا، جاء تصويب البطريرك الراعي البوصلة بعد فترة من خلال تركيزه على أن الغاية من عقد مؤتمر دولي هي تطبيق وثيقة الوفاق الوطني والدستور وميثاق العيش المشترك، من دون إغفاله التذكير بإعلان بعبدا الذي أكد على الحياد في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان بحضور ممثل لحزب الله قبل أن يتم الانقلاب على هذا الإعلان واعتباره حبراً على ورق. واللافت أنه يتم الحديث في بعض الأوساط المسيحية الراديكالية أنه إذا ما استمر حزب الله في ممارسة هيمنته على القرار اللبناني ومحاولة فرض مشيئته على الدولة وتغيير وجهها وهوية لبنان، فإننا سنرفض نظام الهيمنة وسنبدأ التفكير بإعادة النظر بصيغة لبنان الكبير الذي قام في 1 ايلول 1920 بمسعى من البطريرك الياس الحويّك، والذهاب إلى الفدرالية المغلّفة باللامركزية الإدارية الموسعة رفضاً لخيارات الحزب وضماناً للعيش الحر، ولاسيما أن البطريرك صفير قال ذات مرة «إذا خُيّرنا بين العيش المشترك والحرية نختار الحرية».

يظهر من كل هذه الوقائع أن لبنان على خط تماس وأن شريحة كبيرة من اللبنانيين باتت تنظر إلى سلاح حزب الله كحالة تقسيمية وكحالة استقواء على بقية اللبنانيين تحت شعار المقاومة. لذلك وفي ظل تعدّد الولاءات فالبطريرك الذي يرى الحصار المضروب على الشرعية وتعطيل مؤسساتها وقرارها المستقل وعلاقاتها العربية والدولية، والبطريرك الذي يتوجّس من أي فوضى أو أي إنفجار للوضع اللبناني، مصمّم بكل ثقة وإيمان على متابعة مبادرته حول الحياد، وقد نُقل عنه قوله رداً على من يرى في طرحه دعوة إلى الانقسام وإلى حرب أهلية «لأننا نتمسّك بالسلام الوطني وبوحدة لبنان تحديداً نطرح الحياد» مضيفاً «سنواصل العمل لتحقيق الحياد بإرادة داخلية وبدعم عربي ودولي يتجسّد في عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان، فهو لصالح الجميع لأنه يجمعنا فيما الانحياز يفرّقنا، والحياد هو الحل الوحيد لمنع جميع أشكال التقسيم والانفصال والحكم الذاتي ولتحقيق سيادة الدولة داخلياً وخارجياً».

المصدر:
القدس العربي

خبر عاجل