مهما قسا علينا التّراب

لقد شكّلَ الأسلوبُ التّنكيليُّ للوطن، والذي ينتهجُهُ مَن يحكمُ لبنانَ، وهم أعداؤُه، وثيقةً مهشَّمةَ القيمةِ للحالِ المُتَدَنِّيةِ لنُضوبِ الحسِّ الوطنيِّ في دولةِ العصاباتِ المَقيتة. وصارَ، من الصَّعبِ، تبديلُ مَصافِ هذه المافيا اللَّعينةِ من رتبةِ مجرمينَ خَوَنَة، بفِعلِ نَهبِهم خيراتِ النّاس، واختلاسِهم ثرواتِ البلد، وتدابيرِهم الملتويةِ في مجالاتِ التّهريبِ، والإبتزازِ، والمخدّراتِ، واستغلالِ النّفوذِ، والإثراءِ غيرِ المشروع، وتبييضِ الأموال.

ادّعاء النّزاهةِ، من جماعةِ السّلطة، يغتالُ مبدأَ النّزاهة، فأينَ من النّزاهةِ الرّشوةُ، والإختلاسُ، وحمايةُ أنشطةِ غَسلِ المالِ، والإتجارُ بالممنوعاتِ، وترويجُ الفاسدِ من بضاعات الاستهلاكِ والأدوية…؟ أينَ من النّزاهةِ قتلُ الإقتصادِ بسَحقِ مقوّماتِه، والهيمنةُ الكاملةُ على قيمةِ النّقد، وسرقةُ مدَّخراتِ عَرَقِ الجَبينِ وتوظيفُها في مصارفِ الغَرب، وفي دَعمِ الإرهابِ الآتي من الشَّرق؟

النّاسُ، عندَنا، معلَّقون فوقَ جهنَّم، وعلى خَيطٍ ضعيف، تلذعُهم نارُ الجحيمِ ولا مَن يَأبَه، والأخطبوطيّونَ نُزَلاءُ الفسادِ، ينحرونَ الأملَ بلا نَدَم، بِسوءِ إدارةٍ، وعَجزٍ صارِخ، ولامبالاةٍ مُجرِمَة. هذه السَّقطةُ المُبكِيَةُ لم تكن مفاجِئةً، بِقَدرِ ما كانت مُتوَقَّعةً في بشاعتِها المُشابِهةِ لبشاعةِ مَن أتاها من الحكّامِ، هؤلاءِ الذين شوّهوا، بممارساتِهم العَوراء، يافطةَ لبنانَ في عَصَبِها النّابضِ بالحريّةِ، وحقوقِ الإنسان، والإنفتاحِ النّاشِطِ على الدّنيا، وعَرقَلوا، بأنانيّتِهم النَّجِسَةِ قفزةً للخلاصِ الى حيثيّةٍ قابلةٍ للحياة.

الإذعانُ ليس القاعدة، وَلَو في ظلِّ السّكاكينِ المُلامِسَةِ للرِّقاب، فما يُنسَجُ للناسِ مِمَّن يعتدي بإسفافٍ بارز، على يَومِهم وغَدِهم، يجبُ أن يدعوَ الى هزّةٍ نوعيّةٍ توقِظُ التَمَرُّدَ الرّافضَ لمشروعِ انتهاكِ الحياة، وإجهاضِ مشروعِ قرصنةِ الوطن، وأن يُحَفِّزَ الى قَهرِ القَهر، ونَمطيّةِ الرّضوخِ والإذلالِ المُتَوَحِّش.

واستناداً، كيفَ يُرضى بالنّخاسةِ يمارسُها، في أسواقِ الرِقّ، أولئكَ الذين يعرضونَ كرامتَنا للمُقايضةِ بأَذَلِّ ثَمَن؟ وكيفَ يُتَسَتَّرُ على أصحابِ اليَدِ العُليا الذين سَيَّبوا حقوقَ الوطنِ، ولَطَّخوا كيانَه بِعارٍ لا يتجرَّعُ مرارتَهُ سوى الأَحرار؟ وكيفَ تُمَرَّرُ مؤامرةُ غَسلِ نارِ الواقعِ بِزِيتِ الفسادِ، والتّحريضِ، والتّكاذُبِ، والقَبيحِ من المُمارسات؟ وكيفَ تُصَدَّقُ، بعدُ، تُرَّهاتُ سلطةِ العَوراتِ والموبِقات، السّاقطةِ وطنيّاً، وأخلاقيّاً، وسياسيّاً، ولا يُعمَلُ على إنهاءِ مفعولِها المُتحالِفِ مع العَمالةِ والخيانةِ؟

السّلطة التي تستحسنُ سلوكَ الظّلم، ومبدأَ كَتْمِ الكلمةِ بالعنفِ، وضُروبَ المراوغةِ والإِكراه، وكأنّها تُشعِلُ فَتيلَ حربٍ باردةٍ على الديمقراطيّةِ المُتَوافَقِ عليها، بهدفِ إفلاسِها، وإبرازِ عُقمِها، لإسقاطِها بالضّربةِ القاضِيَة. وفي ذلكَ انقلابٌ سافِرٌ على النّظامِ لنَحرِهِ، واستبدالِهِ بنسخةٍ ممسوخةٍ لِأُوتوقراطيّةٍ دينيّةٍ إستبداديّةٍ، ما يؤدّي، حكماً، الى القضاءِ على الوطن، ومن دونِ أن يَرِفَّ، للمتآمِرين، جَفن.

ولادة حالةٍ جديدةٍ للوطنِ، ينبغي أن يُسعى إليها، وإِن استَدعَت وقتاً، ونضالاً، وفَكَّ ارتباطٍ بالخَوف. فالإعترافُ بالوطنِ مرجعيّةً وحيدة، وسطَ شَقعَةِ المُنَظِّرين، وكثافةِ المُثَرثِرين، هو مُقايضةٌ للظّلمِ بالحريّة، وللخيانةِ بترسيخِ ثقافةِ الإنتماء، وللحَذفِ من جغرافيةِ البلادِ بالتَجَذُّرِ في الأرض. من هنا، فلمّا كانتِ المؤونةُ الكيانيّةُ غيرَ شحيحةٍ في الذين لا يزالون يَصونونَ رابِطَهم الحَيَويَّ بالوطن، وعلاقتَهم القُدسِيّةَ به، فإنّهم لن يسمحوا بأيِّ تمريرٍ مؤامراتِيٍّ يريدُ المَساسَ بمحيطِ كيانِهم الوجودي، وبمصيرهمِ، وبحقِّهم في مشروعِ الدولةِ السَيِّدة.

قَلب الموازينِ بالنَّبضِ الثّوريّ، وإنْ باستِفاقَةِ الجراح، لا بدَّ من أن يُفشِلَ محاولاتِ تَجميلِ قُبحِ مَن حكموا البلدَ ولايةً نهبوها، وكأنّها في عهدةِ لصوصٍ. وإنّ استباحَةَ قُطّاعِ الطُّرُقِ كرامةَ الوطن، بسَحقِ أهلِهِ بالقَهرِ، والظُّلمِ، والتّرهيب، لن تستمرَّ خطّةً مُنَجَّحَةً، وإِن بقوّةِ السّلاح، طالما أنّ فينا إيماناً بأنّ الثورةَ حالةٌ حتميّةٌ ضدَّ الطّغيانِ والإستئثار، للوصولِ الى الأَفضَلِ والأَعدَل، ومَنعِ السّقوطِ في جهنّم… ومهما قَسا علينا التّراب.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل