عيسى عيسى تبحث عن الكثير والمطلوب واحد

 

طالعنا الأستاذ طوني عيسى في مقال له بعنوان “من يقود المسيحيين: زعماؤهم أم القدر؟” في جريدة الجمهوريّة، في عددها الصادر يوم الثلاثاء الواقع فيه 6/4/2021 منطلقًا من إشكاليّة تشكيكيّة حول قدرة الزعماء المسيحيين على مواكبة تحدّي ولادة الشرق الأوسط الجديد، ومفاوضة الشركاء في الوطن، مغفلا الاشكاليّة الأهم ألا وهي الحرب الكيانيّة التي يتعرّض لها لبنان، وليس مسيحييه فحسب. وهنا لبّ الاشكاليّة التي كان من الحريّ به طرحها، عوض البحث في كيفيّة التصويب على الزعامات المسيحيّة، كما أسماها.

وسقط الأستاذ عيسى مجدّدًا في خطأ التعميم كغيره، إلا أنّه اختار تصويب سهامه على الحزبين المسيحيين الأقويين في الساحة السياسيّة. وساوى بين القوّات والتيّار إذ رأى أنّ الجماعتين تسعيان فقط لدرء الخطر عن زعيميهما حصرًا وتوفير المستقبل الآمن لهما حصرًا من الاكتراث إلى اهميّة الجماعة. فات الأستاذ عيسى أنّ القوّات اللبنانيّة لم تقاتل يومًا فقط دفاعًا عن المسيحيين بل قتالها هو الذي منع مشروع الوطن البديل في بداية الحرب البغيضة، واليوم المقاومة السياسيّة التي تنتهجها القوّات، جنبًا إلى جنب بكركي، هي التي تمنع تغيير الكيانيّة اللبنانيّة ببعديها العربي الاستراتيجي والغربي الليبرالي.

فحرصًا على الموضوعيّة التي يقتضيها العمل الصحافي كان حريّ بالأستاذ عيسى أن يقرّ بأنّ المشروع الذي يحمله التيار الوطني الحرّ بات واضحًا وصريحًا ومعلنًا في أكثر من مناسبة. فهو، أي التيار، قايض هويّة لبنان، لا بل باعها، في 6 شباط 2006 مقابل أن يضمن وصوله إلى رئاسة الجمهوريّة. ولم يستطع الوصول إلا بعدما مرّ عبر بوّابة معراب اللبنانيّة الكيانيّة الأصيلة فأمّ،ت له وصولا آمنًا على قاعدة الشراكة الوطنيّة، ضمن مشروع سياسي- سيادي وافق على بنوده بندًا بندًا، وليس على قاعدة إلغاء الآخر كما اعتاد على التّسويق. لكنّ الانقلاب الذي قاده الوزير جبران باسيل على اتّفاق معراب هو الذي أطاح بالشراكة التي من المفترض أن تكون قد شكّلت دعامة قيامة المسيحيين على قاعدة الحقوق اللبنانيّة الأصيلة، وليس على قاعدة الحرب الشعواء تحت ستار حقوق المسيحيين فيما هي استحالت إلى حقوق الجبرانيين فقط. فالمشكلة تكمن عند الفريق الذي تراجع عن النقاط العشر لأنّ هذا اتّفاق سياسيّ وطنيّ. وبالنسبة إلى توزيع الحصص يكفي القوّات فخرًا انّها هي التي عادت وترجمت آليّة التعيينات التي تمّ النّصّ عليها في صلب هذا الإتّفاق بقانون اقترِحَ في المجلس النيابي وأسقطه فخامته بالضربة القاضية دحضًا لما اصطلح عليه في اتّفاق معراب.

ومن التجنّي مساواة القوّات بغيرها وتصويرها على أنّها لا تحمل مشروعًا للمسيحيين. صحيح أنّ القوّات لا تحمل مشروع المسيحيين وحسب بل مشروعها لبنانيّ أصيل. نحيل الأستاذ عيسى على مشروع الدّكتور سمير جعجع لرئاسة الجمهوريّة، برنامج الجمهوريّة القويّة، فعسى على السيّد عيسى أن يجد ضالّته فيه. مع العلم أنّ رئاسة الجمهوريّة كرئاسة للجمهوريّة هي من آخر هموم القوّات بل جلّ همّها هي الجمهوريّة بحدّ ذاتها؛ ولا يمكن للقوّات أن تستبدل الجمهوريّة اللبنانيّة كلّها بكرسي رئاستها. فالرئاسة هي من أجل إنقاذ الجمهوريّة، ولا ممكن أن تستبدل القوات الجمهوريّة بالرئاسة، وأيّ مركز سياسي بالنّسبة إلى القوات هو لمراكمة قوّة سياسيّة للوصول إلى النموذج اللبناني الحضاري ولإعادة الاعتبار إلى الجمهوريّة اللبنانيّة.

وللتذكير فقط، مَن يرغب برئاسة الجمهوريّة فبالحدّ الأدنى يسترضي القوّة السياسيّة ويتنازل عن مثاليّـه ومبدئيّـه السياسيّتين ليحصل على الدّعم. وأكبر دليل اليوم أن علاقة القوّات اليوم ليست جيّدة مع أيّ فريق. حتّى إنّها لم تكلّف حليفها الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة كي لا تتنازل عن مبادئها. فلو أنّ الرئاسة هي الهدف كانت كلّفته مقابل الحصول على ترشيح الحكيم. وذلك ليس لأنّها ضدّ الحريري بل لقناعتها بأنّنا لا نستطيع أن نصل إلى أيّ مكان في ظلّ هذه الأكثريّة الحاكمة. والقوّات تجاهر بموقفها من قوى 8 آذار والأكثر تطالب بكفّ يد هذا الفريق.

أمّا إذا لم يكفِه هذا المشروع، فنحيله إلى متابعة مواقف القوّات ليس بدءًا من اجتماع بعبدا الاقتصادي في أيلول من العام 2019 عندما طرح الدّكتور جعجع ما حملته لاحقًا حركة 17 تشرين كأساسًا في صلب مشروعها التغييري، أي حكومة الاختصاصيّين. ليأتي بعد انفجار الرابع من آب المشؤوم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون متحدّثًا بخطاب القوّات نفسه مسميًّا حكومة المرحلة المطلوبة بحكومة المهمّة ومن الاختصاصيّين غير السياسيّين.

لن يستطيع أحد التحكّم برئاسة الجمهوريّة أو بالجمهوريّة حتى لو كان حليف أعتى القوى العالميّة. وحدها هي إرادة النّاس التي يجب الاحتكام إليها. وهذا ما فات الأستاذ عيسى في مقاله، إذ لم يعِر أيّ أهميّة لقدرة النّاس ، ولطموحها في إنتاج سلطة سياسيّة تشبهها وتحمل رؤيتها، وتترجمها عمليًّا. فلماذا مثلا لم يثِر الأستاذ عيسى فكرة المؤتمر التأسيسي التي طرحها حليف التيّار، أي حزب الله؟ أليست هذه مثلا بمباركة التيّار نفسه؟ فهل طرح أيّ طرف آخر هذه الفكرة؟ ألم تواجه القوّات مثلا وتتصدّى لهذا المشروع عندما طرح الدّكتور جعجع مبدأ تطبيق دستور الطائف ولا سيّما اللامركزيّة الموسعة؟

لا يا أستاذ عيسى. القوّات ليست في معرض أن تتساوى مع مَن باع الهويّة الكيانيّة اللبنانيّة الأصيلة، فيما هي التي دفعت أكثر من 15 ألف شهيدًا حفاظًا على هذه الهويّة بالذات. وهي التي صاغت الرؤى الانقاذيّة التي بدأها الدّكتور جعجع في اجتماع بعبدا في أيلول 2019، ومن المعيب التغاضي عن دور الانتشار اللبناني القوّاتي، لا سيّما على صعيد القرار 1559، إذ يكفي كذبًا وتزويرًا في تبني هذا القرار والانقلاب عليه. فخطاب القوّات واحد يبدأ بالسيادة ووحدة السلاح حتّى الحياد وال 10452 كم2. ولا نوافق الأستاذ عيسى بأنّ طرح بكركي يتيم بلا مواكبة فعليّة. نعيده إلى تفاصيل الحشود التي رافقت يوم 27 شباط والتي تحرّكت بطريقة عفويّة لتدعم غبطة البطريرك في طرحيه: المشروع الدولي وحياد لبنان. من التجنّي هنا في هذا السياق مساواة القوّات بغيرها في دعم بكركي. فتاريخ القوّات واضح وصريح، ولا يمكن مساواة بين زيارة غبطة البطريرك المثلث الرحمات مار نصرالله بطرس صفير في 5 تشرين الثاني 1989 وزيارة 27 شباط 2021.

فمشكلة الطارئين بالسياسة يحاولون تبريرها بإطلاق فيض من المشاريع الفارغة، أمّا مشروع القوّات فواضح وضوح الشمس. القوّات اعتُقِلَت بشخص رئيسها واضطهِدَت وتعرّضت لأعتى أنواع الظلم ولم تتنازل أو تغيّر مشروعها السياسي. بالتالي القوّات لا تعيّر.

في الفلسفة اللبنانيّة الكيانيّة، تكتسب العناصر مبرّرات وجودها من مقدار التضحية في تثبيت الانتماء للوطن اللبناني الذي يجمع، وهنا دور اللبنانيين في بناء الشرق الأوسط الآتي والذي لا يكمن بطرح لبنان اكاديميّة الانسان للحوار والتلاقي قولا، بل بالفعل من خلال الحفاظ على جوهر الكيانيّة اللبنانيّة. وهنا الخلاف الكبير مع ما لم يره الأستاذ عيسى. فالمسألة بالنسبة إلى القوّات لم تكن يومًا حقوقًا للمسيحيّين بل تضحيتها كانت في مقدار حفاظها على هذه الكيانيّة التي إن تغيّرت بفعل الترهيب والترغيب الذي يخضع له مَن ساواه بالقوّات لن يبقى أيّ لبنان. ومن له أذنان للسماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل