إيران وأوهام امتطاء “التنين الصيني”

يثير الاتفاق الصيني الإيراني الأخير الجدل حول توسُّع نفوذ “التنين الصيني” في العالم، خصوصاً في المنطقة. فالاتفاق الذي وصف بالاستراتيجي من قبل إيران وحلفائها، وكما تم تسريب بعض عناصره، يتضمن تنفيذ استثمارات صينية في إيران بقيمة نحو 400 مليار دولار أو أكثر في مجالات عدة، بما فيها البنوك والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات على مدى السنوات الـ25 المقبلة، على أن تحصل الصين في المقابل على إمدادات منتظمة من النفط الإيراني بأسعار مخفضة جداً.

ويرى مراقبون كثر، أن المستفيد الأكبر من هذا الاتفاق، الصين، إذ يأتي من ضمن خطتها لاستكمال مشروع “الحزام والطريق” من خلال بناء شبكة بنى تحتية ومواصلات بتريليونات الدولارات تربطها ببقية أنحاء العالم، ما يمنحها قوة دفع كبيرة لتوسيع نفوذها كقوة عالمية. ويعتبرون أن التوقيع الإيراني على الاتفاق بمثابة بيع للموارد الإيرانية بأسعار زهيدة، لمحاولة التقاط الأنفاس، على ضوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الإيرانية المنهارة جراء العقوبات الأميركية.

من هنا، يُطرح السؤال عن مدى تأثير هذا الاتفاق على المفاوضات الأميركية الأوروبية الإيرانية حول الملف النووي، والتي انطلقت بالأمس في فيينا، وانعكاساته سلباً أو إيجاباً على المواجهة القائمة بين واشنطن وطهران؟ وأيضاً الترددات التي يمكن أن يتركها على نفوذ إيران ودورها المتمدد، المصحوب بإشعال التوتر وعدم الاستقرار في كل أزمات المنطقة على خلفية طموحاتها الإمبراطورية؟

العميد الركن المتقاعد خالد حمادة يشير، إلى أن “الاتفاق الصيني الإيراني، الذي تحاول إيران الإضاءة عليه وتسويقه وكأنه تعزيز لموقعها وتحالفاتها الاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة، لا يزال لغاية الآن مجرد إطار لم يُنشر أي شيء عنه، بشكل رسمي، حول خطط محددة، في أيٍّ من المجالات، سواء الاقتصادية أو الأمنية أو البنى التحتية، وكيفية تحقيق أهدافه”، معتبراً أن “إيران تحاول استخدامه وتضخيم حجمه، ومحاولة الإيحاء بأنه أصبح لديها شريك استراتيجي جديد وهي غير آبهة بالموقفين الأوروبي والأميركي منها”.

ويلفت، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أنه “بالعودة إلى تاريخ العلاقات الصينية مع سائر الدول التي قاربتها الصين في أفريقيا أو في شرق آسيا لمحاولة دعم اقتصاداتها، فهذه التجربة تشير إلى أن الصين دائماً هي مستثمر تمدُّ ذراعها الاقتصادية وغالباً ما طبعَت هذه الدول بطابعها، لكنها لم تتأثر بالأزمات التي تمرُّ بها هذه الدول وكذلك لم تقف إلى جانبها لمواجهة هذه الأزمات”.

ويوضح، أن “شراكة الصين مع سودان عمر البشير ربما تشير إلى تحالف يؤسَّس عليه كما يُفترض، لكن في الواقع لم تُنقذ بكين حكم البشير على الرغم من الاستثمارات الصينية الكبيرة في السودان. بالإضافة إلى دول أخرى طبعتها الصين بطابعها الاقتصادي، لكنها سيطرت على ثرواتها الوطنية وأصبحت اقتصاداتها مرتهنة للاقتصاد الصيني”.

ولا يعتبر حمادة، أن “الصين قادرة على خدمة الأهداف الإيرانية أو على وضع هذا الاتفاق بتصرُّف السياسة الإيرانية في المنطقة. وكذلك، لا تتحمَّل إيران شريكاً ثقيلاً، أي دولة شيوعية لها وزنها العالمي، ودولة أينما حلَّت سينطبع الاقتصاد بطابعها. بالتالي هذه شراكة ثقيلة لا تتحمَّلها إيران، وربما الدلالة على ذلك من خلال التظاهرات التي تم تسييرها في الشوارع، وعلى الأرجح بصورة متعمَّدة من قبل بعض أركان النظام، للتحذير من هذا الدخول الصيني الأمني والاقتصادي إلى إيران”، لافتاً إلى أن “الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد كان أحد المحذِّرين من هذا الاتفاق”.

ويشير، إلى أن “الصين، ومن خلال ما نشرته في كتابها حول نظرية الحزام والطريق، تقول من ضمن الحقائق التي تستند إليها خطتها إنها ليست في وارد الصدام مع الولايات المتحدة، لأن قوافل النفط الآتية إلى الصين من الخليج تمرّ أمام البوارج الأميركية، كما يرد في كتاب (one belt one road). إذاً، هي ليست في وارد الذهاب بعيداً والتماهي مع الأهداف والطموحات الإيرانية في المنطقة”.

وإذ يلفت، إلى أنه “لا يمكن إخراج هذا الاتفاق بين طهران وبكين، من الإطار الذي وُقِّعت على أساسه اتفاقات اقتصادية أصبحت قيد التنفيذ بين الصين والدول الخليجية المجاورة لإيران”، يعرب حمادة عن اعتقاده، بأنه “ليس بإمكان الصين التوازن بين الذهاب بعيداً في الطموحات الأمنية الإيرانية وتمدُّد النفوذ الإيراني، والحفاظ على الشراكات والعلاقات مع الدول الخليجية”.

ويرى، أن “هذا الأمر ينسحب أيضاً على الأميركيين الذين يدركون تماماً موقعهم في المنطقة، ويعلمون مدى ترابط العلاقات الأميركية الخليجية على المستويات الاقتصادية والأمنية والدفاعية. بالتالي حدود المغامرة الصينية محدودة، وكذلك حدود التنازلات الأميركية محدودة”، معتبراً أنه “يمكن أن تستفيد إيران من هذا التقارب مع الصين بأن تلعب بكين دور التخفيف من التوتر ما بين واشنطن وطهران، أو ما بين إيران والدول الخليجية، هذا إذا كانت طهران مستعدة فعلاً لتقديم تنازلات وللدخول في أطر إقليمية معتدلة”.

لكن حمادة يشدد، على أنه “يجب ألا ننسى بأن الدول الخليجية، وإيران بحدِّ ذاتها، ترتبط بعلاقات أكثر من اقتصادية، أمنية ودفاعية، مع روسيا، التي لديها موقعها في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما بعد الحرب في سوريا وبعد التقارب الخليجي الروسي. بالتالي، هل تستطيع الصين أن تضع موطئ قدم لها في منطقة الخليج بالمفهوم الإيراني، في حين أن روسيا طامحة لتعزيز موقعها الاقتصادي والدفاعي والأمني في المنطقة؟”.

ويرى، أن “الصين تنظر بعين إلى الولايات المتحدة وعدم توتير العلاقات معها في المنطقة، وبعين أخرى إلى نوع من الشراكة والتماهي مع العلاقات الروسية الشرق أوسطية. واستناداً إلى هاتين الثابتتين، إيران غير قادرة على الذهاب باستثمار هذا الاتفاق، الذي يحتاج إلى الكثير من التفصيل، ووضعه في خدمة مشاريع نفوذها في المنطقة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل