“آخر الدولارات” في المصارف المراسلة؟

 

على وقع “الضجيج” المنتشر في الفضاء السياسي والإعلامي، وتسريبات العزم والحسم حول التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان وسائر الوزارات والإدارات والمؤسسات والهيئات والصناديق العامة، قفزت إلى الواجهة مسألة في غاية الخطورة. فقد نشرت صحيفة “الأخبار” معلومات عن توجيه حاكم البنك المركزي رياض سلامة مذكرة إلى النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، يحذر فيها من أن وضع مصرف لبنان بات صعباً، ليعود عويدات ويرسلها إلى كلٍّ من رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ووزارتَي المالية والعدل.

وإن ثبتت المعلومات حول مذكرة سلامة المسرَّبة، عن أن مصارف مراسلة عدة أقفلت حسابات مصرف لبنان لديها وتوقفت عن التعامل المالي معه وقد يلحقها المزيد، وأن علاقة “المركزي” مع المصارف المُراسلة والدولية تخيّم عليها الاهتزازات السلبية، ما يُصعِّب التحويلات الخارجية وشراء السلع الأساسية ودعمها، كما الاستحصال على عملات نقدية أجنبية لتسيير المرافق الاقتصادية المُختلفة، فهذا يعني أن الوضع اللبناني مهدَّد بالعمق، إن لم يكن بات على مشارف النزع الأخير.

وبانتظار تكشُّف الحقائق والتوضيح من قبل المعنيين، ماذا يعني عملياً توقُّف المصارف المراسلة عن التعامل مع المصارف اللبنانية وقطع العلاقات المالية مع مصرف لبنان؟ وما خطورة ذلك وانعكاساته على الوضع المالي والنقدي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان؟ وما مدى قانونية توجيه سلامة مذكرة إلى النيابة العامة التمييزية في هذا الشأن؟

لا يستبعد رئيس مؤسسة جوستيسيا الدكتور بول مرقص، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “يكون مضمون المذكرة المسرَّبة عن حاكم مصرف لبنان، صحيحاً. فالمصارف الدولية المراسلة (Correspondent Banks) والتي تملك المصارف اللبنانية فيها حسابات لإجراء التحاويل وتسديد الالتزامات، كانت بادرت بالفعل خلال السنوات الخمس الأخيرة وبسبب المخاطر التي تتعرض لها الساحة المصرفية والمالية في لبنان إلى خفض تعاملاتها مع هذه الساحة، وهذا ما يُسمَّى (De-risking)”.

ويوضح مرقص، المرجع في القانون الدولي، أن “المسألة تخطت ذلك، حتى بلغ الأمر بالمصارف المراسلة إلى حدِّ مباشرة ما يُسمَّى (De-banking)، أي مغادرة الساحة المصرفية في لبنان جراء المخاطر المتمثِّلة بالعقوبات المترتِّبة عن التعامل مع حزب الله، والجماعات الإرهابية المتشددة كداعش وجبهة النصرة، والحرب الدائرة في سوريا، أي مخاطر الجوار أيضاً لا مخاطر الداخل فقط. بالإضافة إلى كلفة الامتثال (Cost of compliance)، المرتفعة قياساً للحجم الصغير للسوق اللبناني”.

ويشير إلى أن “هذه الإجراءات لم تحصل تجاه مصرف لبنان فقط إنما مع سائر المصارف التجارية المحلية، على نحو لا يزال معقولاً ومقبولاً قياساً لما حصل في العراق مثلاً، حيث غادرت المصارف الدولية المراسلة نهائياً الساحة المصرفية العراقية، قبل أن يسعى العراق في السنوات القريبة الماضية إلى إعادة جذب هذه المصارف. وهذا ما لم يحصل لغاية تاريخه مع لبنان”.

أما لناحية الجهة التي وُجِّهت إليها المذكرة المسرَّبة المفترضة، يشدد مرقص على أنه “من حيث الشكل، من غير المألوف أن يوجِّه مصرف لبنان مراسلاته إلى النيابة العامة التمييزية، في ما عدا المراسلات مع هيئة التحقيق الخاصة لمصرف لبنان والتي تتمتع باستقلالية عن المصرف المركزي. أما البنك المركزي، فمراسلاته، عادة وفي مثل هذه الحالات، تذهب إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير المال، إذ ليس ثمة من صلاحية مباشرة للنيابة العامة التمييزية في هذا الشأن”.

في السياق، يرى الخبير المالي والاقتصادي في الأسواق المالية العالمية دان قزي، عبر موقع “القوات”، أنه “نظرياً، وفي حال إقفال كل المصارف المراسلة الأجنبية حسابات المصارف اللبنانية ومصرف لبنان لديها، فهذه مسألة خطرة جداً”، موضحاً، أنه “في هذه الحالة لا يعود بالإمكان إجراء تحويلات مالية من وإلى لبنان”.

ويلفت، إلى أن “الدولار الحقيقي في لبنان، لا اللولار، موجود في البنوك المراسلة الخارجية، مثل بانك أوف نيويورك، وستاندرد تشارترد، وجي.بي.مورغان وغيرها. وإذا أقفلت هذه المصارف حسابات البنك المركزي والمصارف لديها أو ضيَّقت عليها، ستخلق مشكلة كبيرة. ونظرياً، وفي أسوأ الاحتمالات وإذا افترضنا وصول الأمور إلى حدِّها الأقصى، من غير المستبعد أن يلجأ مصرف لبنان إلى وضع ما تبقى لديه من دولارات نقدية (16 ملياراً أو أقل) بعد تسكير حساباته، في الخزنة إلى جانب الذهب والإقفال عليها”.

لكن قزي يرى، أن “احتمال الوصول إلى هذا الحدِّ ضئيل، أي أن تُقفل جميع المصارف المراسلة حسابات مصرف لبنان والمصارف اللبنانية لديها”، لافتاً إلى أنه “في لغة الأسواق المالية العالمية يوصف هذا الوضع بـ(Low probability High Impact event)، أي احتمال حصوله ضئيل جداً لكن خطورته في حال حصل كبيرة جداً”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل