فك لغز الكهرباء عبر نموذج الإدارة الجديدة…

 

تُعتبر الكهرباء، التي تمثل أحد أهداف التنمية المستدامة الـ17 للأمم المتحدة في رؤيتها لعام 2030، حاجة أساسية في كل مكان في العالم، باستثناء بعض البلدان النامية مثل لبنان، حيث تظلّ هذه الخدمة «ترفاً في ظلّ غياب القدرة على توفيرها، مع إصلاح القطاع العام والتردّد في تأمينها عبر الخصخصة وضعف الوعي للحلول الوسطية القائمة على نماذج الادارة الجديدة والشراكة بين العام والخاص NMP في هذه الحالة، وفي مواجهة القيود التي تتحمّلها الدولة لتأمين الكهرباء، تحتل الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) مركز الصدارة في المناقشات الاقتصادية الحالية، خصوصاً في لبنان، حيث تكثر التساؤلات حول أسباب فشل الاحتكار العام لـ»مؤسسة كهرباء لبنان»، والاضطرار الى «شرعنة» المولّدات الخاصة في الأحياء السكنية بدلاً من التعاون الشرعي مع القطاع الخاص… ما هو نموذج الإدارة العامة الجديد NMP ؟ وكيف يمكن ترجمته عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لمعالجة الوضع المتعثر لقطاع الكهرباء في لبنان؟

ـ الإدارة العامة الجديدة (NMP) نحو الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)

يهدف نموذج الإدارة العامة الجديدة إلى الإشراف على التكاليف التي تتحمّلها الدولة وخفضها، وبالتالي تقليل عجز الموازنة والدين العام. ويتمثل تيار NMP في دمج نماذج الإدارة المستخدمة في المجال الخاص مع تلك المعتمدة في القطاع العام. الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) هي واحدة من أكثر الأشكال شهرة، وBOT هي واحدة من أكثر أشكال الشراكة استخدامًا في قطاع الكهرباء والتي هي موضوع هذه المقالة.

 

الإدارة العامة الجديدة (NMP) هو طريق للتحول العام للكيان العام، الذي يتضمن اتخاذ القطاع الخاص مرجعاً، والذي يهدف إلى وضع قوانين وقواعد جديدة قابلة للتطبيق على استثمارات الدولة، في مجالات أخرى، بحيث أنّ النفقات المتعلقة بالاستثمارات العامة، لا ينبغي أن تُموّل من الدين العام.

 

أثّرت الآلية الوقائية الوطنية على البلدان بطرق مختلفة، وبالتالي لا يوجد نموذج واحد للآلية الوقائية الوطنية، ولكن على العكس من ذلك، هناك نماذج عدة يعتمد حجمها على كل بلد وثقافته.

 

لذلك، فإنّ الآلية الوقائية الوطنية لها وظيفة تحسين صورة القطاع العام.

 

والمعلوم وفق الأدبيات الاقتصادية، أنّ تفويض القطاع الخاص بعض المهمات، يؤدي إلى الشفافية والوضوح، وتقليل عدم تناسق المعلومات بين الإدارات العامة والسلطات السياسية.

خلال الثمانينات، واجهت بلدان عدة أزمات مالية، تميّزت بعجز عام كبير أدّى إلى زيادة المديونية.

 

علمياً وعملياً وبغية تحسين تلبية توقعات المواطنين (الناخبون ودافعو الضرائب والمستفيدون)، تلجأ الحكومات الى تنفيذ الإصلاحات. وتتميز هذه الإصلاحات في أنّ الإدارة العامة سارية المفعول للإشراف وخفض التكاليف وبالتالي تقليل عجز الموازنة والديون.

 

من هنا، انتشرت نماذج الإدارة المستخدمة في المجال الخاص في المجال العام، من خلال تشكيل تيار NPM للإدارة العامة الجديدة.

ـ الشراكة بين القطاعين العام والخاص في اعتبارها التوصية الرئيسية لخطة الإدارة الوطنية.

«تُعرَّف الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أنّها مفهوم إداري، يسمح للدولة بأن تعهد إلى شركة خاصة تصميم المعدات العامة وتمويلها وبنائها وإدارتها وصيانتها لفترة محدودة طويلة، والتي تعتمد غالبًا على فترة إهلاك البنية التحتية وطرق التمويل».

 

يمكن أن يتخذ PPP أشكالًا مختلفة ويتناسب مع منطق NMP الجديد للإدارة العامة. ويحافظ المشغل على المشروع من بداية البناء، عبر مراحل عدة. يدير توريد المواد الخام (المدخلات) وشراء الإنتاج.

يحتاج أي مشروع شراكة بين القطاعين العام والخاص، مهما كان شكله، إلى مناخ استثماري من أجل نجاحه.

 

يوضح الرسم البياني أدناه مفاتيح مناخ الاستثمار المفضي إلى الشراكة المستدامة بين القطاعين العام والخاص:

 

خريطة رقم (1) و (2)

لدى NPM و PPP منطق مزدوج يرجع إلى أبعاد الميزانية والاقتصاد الكلي، ولكن أيضًا إلى أبعاد الاقتصاد الجزئي. علماً أنّ NMP ليست تراجعًا عن دور الدولة، وليست خصخصة كاملة، حيث تبيع الدولة المجال العام لمشغّل من القطاع الخاص.

 

يعتمد NPM على ركيزتين مهمين: الأولى هي أهمية الصلة الوثيقة مع الدولة، والثانية تقوم على تقييم الفعالية. لذلك يجب أن نجد حلاً فعّالاً للخدمة التي يجب تقديمها للمستخدمين.

 

السبب الرئيسي لاختيار الشراكة بين القطاعين العام والخاص هو البحث عن المهارات من الكيانات الخاصة، لأنّ الكيانات العامة لديها فجوة في المهارات والتدريب للموظفين، يحتاج الى تمويل تام ومتواصل، مما يدفع الدولة للتوجّه إلى كيان خاص لاكتساب المهارات وتقليل التكاليف المتعلقة بتدريب الموظفين في الادارة العامة. وفي حالة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فإنّ الدولة التي تفتقر إلى الكفاية تتحكّم في الخدمة وتراقب إدارتها بدلاً من تكبّد كلفة إنتاجها. ويمكن من خلال عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص خفض تكلفة الإنتاج من خلال خبرات القطاع الخاص وفعالية إدارته ووفورات الحجم التي يستفيد منها.

 

كما تسمح الاستعانة بمصادر خارجية بتقاسم المخاطر بين القطاعين العام والخاص. لذلك يتمّ تقاسم المخاطر المرتبطة بالإنتاج والنقل والتوزيع.

كما أنّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص لها دور في تأمين موازنة الإيرادات والنفقات وتحرير الموازنة من عبء القطاع، وبالتالي الحل القاطع لمشكلة العجز فيها.

 

علماً أنّه لقياس السيطرة على المخاطر الناتجة من أنواع عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من الضروري ضمان إطار الموازنة والمحاسبة. كما أنّ من الأولويات إعطاء ضمانات مالية للشركة الخاصة لتوقيع العقد. تسمح الضمانات بخفض التكلفة الإضافية لديون الشركة الخاصة الراغبة في الاستثمار في المجال، مقارنة بتمويل الكيان العام. ويمكن أن تكون الضمانات رافعة فعّالة للاستثمارات العامة المختلفة، ما يسمح بتنفيذ الرافعة المالية على التمويل الخاص مع تقليل مخاطر خدمة الدين..

 

ـ BOT أنسب نموذج إدارة جديدة للكهرباء

عموماً، هناك نماذج عدة لمشاركة القطاع الخاص في قطاع الطاقة. في حالة لبنان، فإنّ النموذج الذي يحتل مركز الصدارة في النقاشات بهدف ضمان شراكة بين القطاعين العام والخاص هو نموذج BOT.

تتكون BOT من طريقة لتنفيذ المشاريع العامة في عدد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية. BOT هي شكل من أشكال الامتياز، يعتمد على مشروع يُسمّى «تمويل المشروع»، وهو طريقة تمويل تستخدمها الحكومات في غالب الأحيان لتمويل مشروعها العام من دون اللجوء إلى الديون ووجود اختلال في الموازنة. في هذه التقنية، يتمّ ربط سداد المبالغ المستثمرة بالتدفقات النقدية الناتجة من المشروع.

 

الهدف من هذه الشراكة هو تصميم وبناء وتمويل واختبار وتقييم وتشغيل وصيانة، نتيجة للعقد المبرم مع الدولة.

 

إنّ التزامات وحقوق هذه الشراكة مضمّنة في العقد المبرم مع الدولة. ويتمثل دورها في تحصيل المبالغ من مختلف المقرضين وبعد تشغيل المشروع وإتمامه، يتمّ سداد الديون.

تتكون مشاريع BOT عموماً من 3 مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة البناء، والثانية هي مرحلة التشغيل، والأخيرة هي مرحلة النقل.

 

كل مرحلة تتطلب عقداً. ولكن قبل تنفيذها، من الضروري إجراء دراسة جدوى لمعرفة ما إذا كان المشروع ممكنًا أم لا، وبالطبع ينبغي إجراء دراسة مفصّلة مع تحليل اقتصادي ومالي وقانوني. علماً أنّه منذ نهاية الحرب في عام 1990، تراكم لدى مؤسسة كهرباء لبنان عجز مستمر وعجز عن تلبية احتياجات السوق. ويواجه قطاع الكهرباء حاليًا مشكلتين رئيسيتين: الأولى تقنية والأخرى مالية.

 

في عام 2018 ، أظهر تقرير قُدِّم إلى مجلس الوزراء عن أوضاع قطاع الكهرباء، أنّ إجمالي العجز على مدى 26 عامًا بلغ 36 مليار دولار، منها 20.6 ملياراً ديون مؤسسة كهرباء لبنان، و 15.4 ملياراً فوائد متراكمة على هذا الدين.

 

كان يمكن أن يؤدي حل قطاع الكهرباء عام 1990 إلى خفض الدين العام وتقليل الآثار البيئية السلبية الناتجة من المولدات الكهربائية الموجودة في الأحياء اللبنانية، وتقليل متوسط التكلفة التي يدفعها المواطنون لأصحاب المولدات الخاصة. (متوسط التكلفة السنوية 1.5 مليار دولار) وبالتالي زيادة القوة الشرائية للوكلاء الاقتصاديين. اليوم، تبلغ التكلفة الإجمالية لتوليد الكهرباء في لبنان سنويًا 3.35 مليارات دولار. يدفع المواطنون نحو61% (2.05 مليار دولار) وتغطي الدولة 39% (1.3 مليار دولار).

 

يوضح هذا الجزء كله، أنّه منذ عام 1992 وحتى الآن، لم تنجح جميع الحكومات في الترويج لحل نهائي لأزمة الكهرباء في لبنان، طالما ظلّ القطاع محتكرًا بيد القطاع العام. كل الإصلاحات العامة غير كافية، ومن هنا تأتي الحاجة إلى مشاركة القطاع الخاص في العملية، والتي يمكن أن تحدّ من الفساد، وتزيد الخبرة وتوازن المالية العامة. وهذا هو الهدف المنشود، بعد أن تسببت الكهرباء بأكثر من ثلث الدين العام للبنان!

 

تجمع الأدبيات الإقتصادية كما التجارب التطبيقية، على تفوّق خيار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، على سواه من الخيارات، لتحقيق أفضل النتائج في قطاعات الخدمات وخصوصاً الكهرباء.

 

ويبقى أن نقول، إنّ إشراك القطاع الخاص في قطاع الكهرباء وتحقيق الاصلاح المنشود لتأمين التيار الكهربائي المتواصل، كان من بين الإصلاحات الرئيسية التي وعد بها لبنان في الأوراق التي قدّمتها حكوماته إلى مؤتمرات الدول المانحة (باريس 2، باريس3، سيدر، إلخ) التي لا تزال قائمة، والتي لا تزال تنتظر الوفاء بالتزاماتها، من أجل تجسيد الدعم المخطط لهذا البلد من الدول ومنظمات الدعم الدولية. والملاحظ أنّ تعقيد العوامل المساهمة في نموذج قطاع الكهرباء في لبنان، يمنحه تفرّدًا خاصًا، يجعل من الصعب تعميمه. ولكن التنقيب عن حقول الغاز والنفط المحتملة التي لا تزال في مراحلها الأولية في لبنان، يمكن ان يقلب مستقبل هذا القطاع إيجاباً، من خلال تزويده المشتقات البترولية اللازمة.. إلّا انّه حتى السعي في هذا الاتجاه يتطلّب طمأنة المستثمرين المحتملين من الداخل والخارج لجهة تحقيق، أقله، إشارة إصلاح، كبارقة أمل وثقة للمستقبل…​

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل