الابن على خطى الأب… “التسوية النهائية” في الفاتيكان

تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة للرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري إلى حاضرة الفاتيكان للقاء البابا فرنسيس، في 22 نيسان الحالي، والتي تأتي بناء على طلب الحريري وتحديد الفاتيكان للموعد بسرعة ملحوظة. والمعلومات تشير إلى أن جدول الأعمال بين الحريري وقداسة البابا سيكون “دسماً” بامتياز، نظراً للمكانة الخاصة التي يوليها الفاتيكان للبنان، وعلى ضوء تدحرج الأزمة فيه إلى مندرجات خطرة تلامس حدود “الخطر الكبير” على الكيان، والوجود، والدور، والرسالة.

لا شك أن هذه الزيارة تحت الرصد. وكثيرون لا يفصلونها عمّا سبقها من ممهّدات، بينها اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالرئيس المكلف، في 25 آذار الماضي. في حين سبق ذلك توجيه رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل مذكّرة وُصفت بـ”المفخخة” إلى الفاتيكان عبر السفارة البابوية في بيروت، في ما اعتُبر عملية التفاف على الراعي ودعوته لحياد لبنان ولمؤتمر دولي لتثبيت كيانه ومقوّماته التاريخية، بعد فشل الطبقة الحاكمة في إيجاد الحلول للأزمة.

“الهمُّ اللبناني حاضر بقوة في الفاتيكان وفي قلب البابا”، كما تؤكد مصادر كنسية رفيعة المستوى، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني”، مضيفة أن “الفاتيكان يولي أهمية قصوى للأزمة اللبنانية انطلاقاً من الواقع المأسوي الذي وصل إليه لبنان، بفعل الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وخشيته من انزلاق الأمور إلى فوضى شاملة تعيد شبح الحرب التي شهدها بين عامي 1975 و1990”.

وتشدد المصادر ذاتها، على أن “هناك اهتماماً كبيراً من قبل الفاتيكان من أجل تدارك الأمور. وأيضاً لأن لبنان آخر مساحة وازنة للمسيحيين، ليس فقط من زاوية مسيحية، إنما انطلاقاً من أن التجربة التعددية اللبنانية تشكل هذا النموذج الذي تحدث عنه البابا الراحل القديس يوحنا بولس الثاني لجهة كون لبنان رسالة. والفاتيكان متمسك كثيراً بهذا الجانب، وبدور لبنان المتعلق بكونه رسالة نموذجية على مستوى العالم للعيش المشترك والتفاعل المسيحي الإسلامي”.

وتؤكد المصادر الكنسية، أن “الفاتيكان حريص على الحفاظ على التجربة اللبنانية وعلى الاستقرار في لبنان، من أجل أن تتمكن تجربته الفريدة من أخذ أبعادها المطلوبة. بالتالي، تحديد الموعد للحريري يندرج في هذا السياق”، مشيرة إلى أن “الفاتيكان كان له علاقات تاريخية مع رئيس الحكومة الشهيد رفيق الحريري، وأيضاً مع الحريري الابن، وهو يدرك أن هذه العائلة السياسية متمسكة بصورة لبنان ودوره، ومعروفة باعتدالها وتمسكها بالعيش المشترك. بالتالي النظرة الفاتيكانية لآل الحريري بين رفيق الأب وسعد الابن، هي انطلاقاً من هذا الموقع”.

على ضفة تيار المستقبل، لا يبدو نائب رئيس التيار النائب السابق مصطفى علوش، بعيداً عن هذه المقاربة الكنسية، إذ يشير، عبر موقع “القوات”، إلى أن “تاريخ علاقة آل الحريري مع الفاتيكان معروف وواضح المعالم، ويشمل الاحترام والفهم المتبادلين لمقاصد رفيق وسعد الحريري”. ويضيف، “نحن لسنا بوارد الدخول في مجال المنافسة بين سعد الحريري وأي شخص آخر”، مشدداً على أن “الحريري يقوم بمهامه بشكل واضح، ويتصرف كرئيس حكومة لبنان حين يكون في هذا الموقع، وكرئيس مكلف بتشكيل الحكومة اللبنانية اليوم، لا كرئيس المسيحيين، أو السنّة، أو الشيعة، أو غيرهم”.

ويعتبر علوش، أنه “لا يكفي فقط أن يولد الإنسان مسيحياً، لكي يعني ذلك أنه قادر حقيقةً وبشكل بديهي على تمثيل المسيحيين”، لافتاً إلى “المتاجرة بمصالح المسيحيين كما فعل تاريخياً فريق رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي يدّعي حيناً العلمانية، والمسيحية حيناً آخر، وأي شيء أحياناً أخرى”، مشدداً على أن “ذلك لا يوصل إلى أي نتيجة، وما نحتاجه هو أشخاص يتحدثون باسم اللبنانيين بأجمعهم، لا باسم طائفة أو مجموعة”.

ويضيف، “سعد الحريري يتصرف كرئيس مكلف بتشكيل حكومة لبنان وليس كمنادٍ بحقوق السنّة، أو الشيعة، أو المسيحيين، أو غيرهم”، لافتاً إلى أن “مصلحة المسيحيين تكمن في ما قاله البابا الراحل يوحنا بولس الثاني عن أن لبنان رسالة. وإن لم يشعر الجميع من كل الطوائف بأنهم يمثلون هذه الرسالة، فالمسيحيون بالتأكيد في خطر من الشعبوية التي يمثلها فريق رئيس الجمهورية”.

وفي السياق، تشير المصادر الكنسية، إلى أن “الفاتيكان الذي يبدي تعلقاً كاملاً بمسألة الاستقرار في لبنان، ينظر إلى الوضعية اللبنانية انطلاقاً من مستويين: الأول، تبنِّي ما يقوله البطريرك الراعي لجهة ضرورة تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين حقيقيين تستطيع فعلاً فرملة الانهيار وجلب المساعدات الخارجية من أجل أن يستعيد لبنان استقراره المالي، واستطراداً السياسي، ثانياً، بما يمكِّن من البحث الهادئ بمواضيع لها علاقة بأن تكون هذه التسوية اللبنانية ذات طابع نهائي”.

وتشدد، على أن “الوظيفة المطلوبة من الحكومة العتيدة هي توفير الحد المقبول من الاستقرار ومنع الانفجار وفرملة الانهيار، بينما هي لا تستطيع توفير الاستقرار النهائي. هي ليست تسوية نهائية بل وسيلة لفرملة الانهيار ومنع الانفجار، لكن المطلوب البحث في كيفية تثبيت هذا الاستقرار بشكل نهائي، الأمر غير الممكن إلا من خلال العمل بما قاله البطريرك الماروني لجهة إعلان حياد لبنان، والذي من خلاله يستعيد لبنان عافيته وازدهاره ووضعيته ودوره في إطاره التاريخي الطبيعي”.

وتعتبر المصادر الكنسية، أن “المطلوب أن تكون الأمور في هذا السياق، ورهان الفاتيكان كبير على بعض المسؤولين من أجل تدارك الأسوأ في لبنان. لذلك سيكون جدول أعمال زيارة الحريري إلى الفاتيكان منقسماً إلى شقين: الأول، كيفية تشكيل حكومة تستحوذ على ثقة العالم من أجل جلب المساعدات للبنان. والثاني، كيفية البحث بتسوية لبنانية نهائية، تنطلق طبعاً من وتستند إلى الدستور واتفاق الطائف والقرارات الدولية، لكن لا يجوز أن يبقى لبنان في مهبِّ الرياح الخارجية بما ينعكس سلباً على دوره ورسالته ووضعيته التاريخية”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل