اللغة الخشبية

لقد شهدنا، في الآونةِ المُنصرِمَةِ، عودةً للخطابِ الخَشَبيّ، من رسميّينَ وغيرِ رسميّين، والذي أدرجَهُ بعضُ “الهَوَسِ” في هالةِ التّقديس، بمعنى أنْ يَطغى الولاءُ له، فيصيرُ الحبُّ فيه، والبُغضُ لأجلِه، والتقاتلُ في سبيلِه، وكأنّه لَوْحُ الوصايا.

نَستغربُ، في بدايةِ المراقبة، هذا التَلَقُّفَ اللّاواعيَ لكلّ ما يَنطقُ به “أنصافُ الآلهةِ” هؤلاء، وكأنّه الكلامُ المُنزَلُ الذي لا يَقبل تبديلاً، حتى في ما يَتَضمَّنه من علاماتِ وَقف. إنّ قَبولَ هذا الكلام، على عَواهِنِه وتناقضاته، يُثيرُ حالةً من الغَثيانِ العقليّ، واشمئزازِ المنطق. ما يعني أنّ عقولَ ” القابِلين ” قد ظهرَت فيها حالةٌ أكيدةٌ من الموتِ الوظيفيّ.

أيّ خطابٍ شَعبَويٍّ، عشوائيٍّ، وعالي النَّبرة، ليس سوى ثرثرةٍ دراميةٍ يُغلِّفُها إطارٌ إستِماليٌّ مُغرِض، بحيثُ يُجبِرُ السّامعَ أن يَقفَ أمامَ الشكلِ، من دونِ أن يُفسَحَ له في المجالِ لمناقشةِ المضمونِ المُهَشَّم. وإذا فعل، فإنه سيقعُ على حالةٍ من اللّاثباتِ الفكري، أو على حُطامِ المحتوى الذي تَضيعُ، معه، معادلةُ الخطأِ والصّواب. وجُلّ ما يَسمعُ هو كتلةٌ من اللفظِ المُنَمَّقِ، ذي الوَقعِ الحادّ، والذي يُتَوَكَّلُ، فقط، على أثَرِهِ التَّخديري، لينهزمَ العقلُ ويتشظّى، وتُسيطرَ الإستمالةُ العاطفيةُ التي تَقضي بالتّسليمِ التِلقائيِّ لكلِّ ما تَفيضُ به أفواهُ “المُهَلوسين”.

المطلوبُ من الشَّعب، ألّا يكونَ دُميةً مُعَقَّمةً، أو جُثَّةً فكريةً مُتجوِّلة، تَمنحُ المُهاتِرين دَفعاً باتجاهِ المزيدِ من الشوفانيةِ، والإمعانِ في ” الصِّياح “، وأن يَستيقظَ من غيبوبةِ التَّصفيقِ الغَبيِّ لأيِّ طَبلٍ أَجوفٍ لا يُشبهُ سوى قبرٍ مُزَيَّنٍ بالنُّقوشِ والتّماثيل، لكنّه، في داخلِه، لا يَحوي سوى عِظامٍ رَميم. المطلوبُ من الشَّعبِ “الباصِم”، أن يَستصلحَ عقلَه، أي أن يَعمَدَ، سريعاً، الى تحويلِ مناطقِ الفَهمِ، لديه، من مساحاتٍ جَرداءَ مُقفِرةٍ، الى أراضٍ خصبةٍ تُنتِجُ وَعياً، ومنطقاً، وموضوعية. واستناداً، إنّ بِإمكانهِ استخدامَ أَسمِدَةِ المعرفةِ المتوفِّرةِ للجميع، بشرطِ أن يُشَرِّعَ تُربةَ عقلَهُ لتَقَبُّلِها.

أمّا الظّهورُ المُعوَجُّ المتكرِّرُ لِمُدَغدِغي الإنفعالات، والذي تآكَلَه صَدَأُ عدمُ الإكتراث، فمتى يَحينُ موعدُ انكفائِه الى غيرِ طَلَّة؟ ألم يلاحظِ المُهَوِّلونَ في خُطابِهم الرّاكِد، أنَ لغتَهم هي تجارةٌ خاسرةٌ في أسواقِ التعاطي الوطني؟ أم أنّ الإغترارَ قد سَدَّ منافذَ الرُّشدِ، عندَهم، فباتَت حواجزُ المراقبةِ المُقامةُ بينَ عقولِهم وألسنتِهم، من دونِ نفع؟ وما هو المردودُ الذي ينتظرُه هؤلاء، من ظهوراتِهم الدونكيشوتية، ومن تهريجِهم السياسيّ، إلّا العبثَ واللّاجدوى؟

أمّا إذا كانت منهجيةُ البعضِ في الإقناعِ خارجةً عن كلِّ مَعقولية، وتلتزمُ مكبِّراتِ الصّوتِ، فهذا أسلوبٌ صارَ مَمجوجاً، وترفضُه عصورُ التنويرِ العقليّ التي أحدثَت نقلةً نوعيةً على مستوى اعتبارِ الكلمةِ حكمةً، والحكمةُ، وحدَها، ترجحُ في الكَفَّة. وبالتالي، فالخطابُ الذي يطوفُ في مستنقعاتِ الغباءِ، والمُخاتلة، مَردودٌ، أصلاً، من جانبِ اللبنانيين الذين ضاقَت صدورُهم عن احتمالِ هرطقاتٍ غيرِ مُبَرَّرةٍ إلاّ بسلوكِ مَنحى الظّهور، وأسلوبِ الإنتقامِ الأعمى البائِد.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل