“لا تهلعوا”… تطعيم أولادكم لا يختلف عن لقاحات كورونا

عندما أعلن عن فيروس كورونا في الصين، في كانون الأول العام 2019، كان الاعتقاد أنه حالة عابرة ستطوّق، كما تم تطويق فيروسات أخرى قبل سنوات، لكن الكرة الأرضية استفاقت على صراع مرير بينها وبين الفيروس، الذي غيّر العالم ومفاهيمه. بعد عام تقريباً، أعلن عن لقاحات كورونا، وبدل أن يتنفس اللبنانيون الصعداء، تراهم مربكين خائفين، يتناقلون شائعات عن اللقاحات، ويتجاهلون الحقائق العلمية، على الرغم من معرفتهم المسبقة بها.

الخوف من لقاحات “كورونا” ليس “موضة” لبنانية، صحيح أنه هاجس ملايين البشر حول العالم، إذ إن هناك انقساماً حول أضراره الجانبية، لكن المؤكد أيضاً، أنه يستحيل العودة إلى حياة شبه طبيعية، قبل الوصول إلى مناعة مجتمعية، لا تتحقق إلّا عبر إصابة نسبة عالية من الناس بالفيروس أو عبر تلقيحهم.

قبل انطلاق حملة التلقيح في لبنان في 14 شباط الماضي، تسجل على منصة وزارة الصحة IMPACT، نحو 330 ألف شخص من بينهم 100 ألف من الطواقم الطبية. بعد شهرين وصل عدد المسجلين إلى حوالي مليون ومئة ألف، لكن تحقيق المناعة الجماعية لا تزال في بدايتها. الأمر لم يعد محصوراً ببطء عملية التلقيح إنما أيضاً بالاستعداد لتلقي اللقاح، علماً أن استطلاعاً للرأي، أجري بين 10 كانون الثاني و2 شباط الماضيين، في فترة ذروة عدد الإصابات في لبنان، بيّن أن أكثر من نصف اللبنانيين غير مستعدين لتلقي اللقاح. والملفت ان معدلات الأجوبة كانت متقاربة بين المناطق والفئات العمرية.

الاختصاصي في الأمراض الجرثومية والمعدية البروفسور جاك مخباط يستغرب الإرباك والتردد لدى اللبنانيين، ويشرح أن لقاح كورونا ليس علاجاً لشخص، إنما عملية تلقيح لمجموعة كاملة، وهو يندرج في إطار نشاط للصحة العامة، الهدف منه حماية المجتمع ككل، يضيف، “نواجه وباء، وحتى نتمكن من حماية كل المجتمع، علينا حماية المجموعة، لذلك نتكلم عن إحصاءات ونسب”.

يؤكد، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنه لطالما رُصدت أثار جانبية للقاحات عبر التاريخ، فهذه الطعوم تعمل على جهاز المناعة، الذي سيتجاوب بطرق مختلفة من شخص الى آخر، عند تحفيزه أو العمل عليه، جازماً بأن الهدف يبقى في الوصول الى حماية ما يقارب 75 الى 80 بالمئة من السكان، حتى نصل الى مناعة القطيع.
“منذ فترة، بدأ كل من إنكلترا وألمانيا والسويد، بتطبيق مبدأ ترك المرض يتفاعل مجتمعياً، حتى الوصول الى مناعة القطيع من المرض نفسه، لكن المشكلة أنه لا يمكننا تحمل نسبة الوفيات، خصوصاً في لبنان، الذي لا يملك الحماية الطبية. ستؤمن الإصابة بكورونا مناعة لأعداد كبيرة لكنها تبقى حتى الساعة غير كافية، للوصول الى مناعة مجتمعية، لذلك لا خيار أمامنا سوى اللجوء الى اللقاح”، يشرح مخباط الذي يؤكد بأن اللقاحات الموجودة اليوم في لبنان تؤمن مناعة أكثر من 75%، وهذا هو المطلوب.

لكن ماذا عن العوارض الجانبية، وكيف يمكن تجنبها؟

يجزم مخباط بأن كل لقاحات كورونا المطروحة ممكن أن تؤدي الى تفاعلات ثانوية وتجلطات، لكن اذا درسنا لقاح استرازينكا الذي تبين أن نسبة الجلطات فيه أعلى بقليل من غيره لوجدنا أن نسبة الجلطات من “استرازينكا” هي واحد على 100 الف، يعني اذا لقحنا مليوني شخص من استرازينكا، من الممكن أن يتعرض 20 شخصاً لجلطة، لكن إذا استثنينا أولئك المعرضين اكثر من غيرهم الى جلطات، (أي من لديه سوابق في هذا الموضوع، أو يعاني من ضيق في الشرايين، والمدخنين بكثرة، والنساء اللواتي يتناولن حبوب منع الحمل، لأنها في الاساس تزيد من خطر الجلطات)، ستنخفض نسبة الجلطات الى اقل من 5 أشخاص، وهي النسبة المجتمعية الطبيعية “من دون جميلة اللقاح”.

ويلفت الى انه لا يجب تضخيم الأمور والمبالغة بها، لأن الصورة واضحة، مستطرداً، “نعطي اللقاحات لأولادنا منذ مئتي عام تقريباً، لماذا لم تتدفق الأسئلة حول ماذا سيدخل في اللقاح الى أجساد الصغار؟ على العكس، نسمع عبارات تحثنا نحن كأطباء على الإسراع في عملية التلقيح، فماذا تغير اليوم، ولماذا قامت الدنيا وقعدت؟ لا أفهم. ربما لأن التقنيات المستعملة في لقاحات كورونا حديثة؟ “نعم هي حديثة، باستثناء اللقاح الصيني، لكنه يقطع الشك باليقين بأنه علينا الاطمئنان لأنها كلها آمنة”.

ويشرح أن الباحثين استخدموا تقنية الفيروسات الغدّية المعطلة وراثياً، في لقاحات استرازينيكا وسبوتنيك وجونسون أند جونسون، وهي طريقة جُربت في السابق وأجريت دراسات كثيرة عليها، لكنها لم تستعمل في السوق الطبية من قبل. ويشير في المقابل الى أن اللقاح الصيني، هو فيروس مقتول، وهذه من التقنيات التقليدية القديمة التي استعملت منذ مئات السنين، في إنتاج لقاحات فعّالة. أما تقنية الـMessenger RNA التي استخدمت في فايزر وموديرنا، فتعتمد على تحفيز الجهاز المناعي من خلال الشيفرة الجينية، والتكنولوجيا التي اعتُمدت لصناعة هذين اللقاحين لم تكن وليدة اليوم أبداً، بل نتيجة دراسات دامت لسنوات عدة لتطوير هذا النوع من اللقاحات ضد مرض السرطان، مشدداً على أنه من الطبيعي استخدام تقنيات جديدة في القرن الواحد العشرين، لأنه “مش راح ناخد من البقرة جزعة حتى نعمل لقاح للإنسان”.

يشدد مخباط على أن كل اللقاحات تحمل الفيروس بطريقة علمية ومدروسة ومعروفة، مطمئناً الى أنّ الأعراض الجانبية التي سجّلت ليست بخطيرة بتاتاً، ويمكن أن نجدها مع أيّ لقاح آخر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل