.jpg)
كان يجدرُ بي، عشيّةَ الذّكرى الأليمة لحربِ التّطويعِ والنّشلِ الفاشلة، ولكنْ اللّعينة، أن أُلزِمَ قلمي بتدبيجِ نصٍّ يفوحُ منه إِكبارُ أولئكَ الأنقياءِ المُتماهينَ بالوطن، الذين قَضَوا لنَبقى، غيرَ عابِئينَ بحجمِ البَذلِ، ولَو على كلِّ شِبرٍ من الأرضِ شَهيد. لكنّ القيِّمينَ على عصرِ الظّلمِ والظّلماتِ، الخارِجينَ من أرحامِ الحقدِ والتخلّف، والمُعادينَ لمشروعِ السّلامِ ورقيِّ المنطق، عادوا الى نَبشِ جثّةِ الماضي السَّقيمة، بخطابٍ مُثيرٍ للنّفور والسّخط، وكأنّ الحاضرَ المُبتَلى بهم، لا يكترثونَ له، وهم قادوه الى الإنهيارِ بأمراضِهم المُتفاقِمةِ، ولا عِلاج.
لذلك، قبالةَ استمرارِهم في تشظيةِ الحقيقة، كان لا بدَّ من جلاءِ كيانِهم الذي استوطنَته الشياطين، وجعلَته مَسكناً مُريحاً لها.
ينقسمُ الزمنُ، منطقياً، الى ثلاثِ مراحلَ متتابعةٍ، هي الماضي والحاضر والمستقبل. ولو سلَّمنا، موضوعياً، بأنّ سلكاً يربطُ بينَ هذه المراحل، ما يَعني أنّ الحاضرَ هو ابنُ الماضي وأبُ المستقبل، غيرَ أنّ قاعدةَ التطوّرِ التي تجعلُ من الإنسانِ حالةً نهريةً تتجدَّدُ باستمرار، تَأمرُ بأنْ يُحفَظَ الماضي في الذاكرةِ لتُؤخَذَ منه العِبَر، وتَنهى عن استعادتِهِ بِتواترٍ سريعٍ ليُلغيَ الحاضرَ والمستقبل، فيُصبحَ، هو وحدَهُ، زمنَ الإنسان. عندَها، يصيرُ هذا الإنسانُ مومياءَ متجوِّلةً، يعيشُ في جسدِهِ حاضرَهُ، أمّا ذِهنُهُ فَقابِعٌ، سعيداً، في كهوفِ الصَّدَأ.
اللّافِتُ، عندَ مَن خَلَت مناظراتُهم من أيِّ حجّةٍ، اختصاصهم بالعودةِ الى الماضي، طريقاً لا يشكّلُ، في حقيقتِهِ، سوى مَقتَلٍ مؤكَّدٍ لكرامةِ وَعيِهم. فلو كانت هذه الطلّةُ من النافذةِ المُشرقةِ التي تُذَكِّرُ بعصرِالسِّلمِ، والبحبوحةِ، ولبنانَ الإنفتاحِ والعيشِ الرّاغد، لَكانت هذه التذكرةُ مفيدةً على صعيدَين: فهيَ، من ناحية، تفتحُ طاقةً مضيئةً في السّردابِ المُخيفِ لذاكرتِنا القريبة، ليعودَ الأمسُ الذَّهبيُّ في مَشاهدَ خلّابةٍ، حين كان الشاطئُ المُتَرَنِّحُ يُساهِرُ بيروتَ حتى الفجر، والأرزُ يُدَرِّبُ السماءَ على التزلّج. ومن ناحيةٍ ثانية، تَفتحُ أبصارَ الأجيالِ الجديدةِ على صورةٍ مُرتَجاةٍ للوطن، مختلفةٍ عَمّا يُنتِجُهُ ذَهانُ بعضِ السّاسةِ، وهؤلاءِ في مقدّمِهم، في محاولةٍ لرَسمِ وطنٍ مقهورٍ، مغلوبٍ على أمرِه، لن يعودَ الى شبابِهِ إلّا بأمرِهم، وكأنّهم يرهنون الأجيالَ لمشيئتِهم، الى الأبد.
لكنّ استعادةَ الماضي في تصريحاتِهم الباهتةِ كَسُحناتِهم البائسة، محصورةٌ بالأحداثِ المَمجوجةِ، والبغيضةِ، في زمنِ الحربِ المشؤومةِ، والسيّئةِ الذّكر، وذلك، بهدفِ التَّسعير، وإثارةِ الحساسيّات، وتَرويجِ الحقدِ بينَ شرائحِ النّسيجِ الوطنيّ، ولا سيّما الذين ينتمونَ الى إثنيةٍ واحدة. الكلّ يَعلمُ أنّ الحربَ تَفرضُ قواعدَها الصّارمةَ على الأفرقاءِ المُتقاتلين، وأولاها، وهي الأكثرُ ضَراوةً، وللأسف: إمّا أن تَقتُلَ أو تُقتَل. لذلك، يمكنُ أن تُرتَكَبَ الموبقاتُ، ويُحَلَّلَ الحَرامُ، وتَرخُصَ أرواحُ الناسِ وكراماتُهم. والكلُّ يعلمُ، أيضاً، أنّ التّبريراتِ، في هذا المجال، لا يقبلُها حتى مَن قامَ بها، إن هو حكَّمَ الضّميرَ، وإنسانيَّتَه. والكلُّ يعلمُ أنّ وثيقةَ الطّائفِ قد وضعَت حدّاً يَفصلُ بينَ ما قبل الحربِ، وما بعدَها، وبالتالي، فُرِضَتْ مُصالَحةُ الوطنِ مع نفسِه. وهذا يَعني أن تُفتَحَ صفحةٌ جديدةٌ بيضاء، مكتوبٌ على وجهِها الخَلفِيِّ: “مُقفَلٌ الى الأبد”. ومع ذلك، يَحرصُ بعضُ المَوتورين، في ظهوراتِهمِ المُلوِّثة، على استذكارِ أحداثٍ، ينبغي أن يكونَ الزمنُ قد طواها. والأَدهى أنّهم يستذكرونَ الماضي بِعَينٍ واحدة، فيَغفلون عن تاريخِهم المُشين، والمَمجوج، والعابِقِ بالخيانةِ، والعَمالةِ، والجبانةِ، والإنحطاطِ، ونَحرِالكرامةِ الوطنيّة، وقدسيّةِ الكيان. والأحداثُ المُوَثَّقةُ هي الفَمُ الذي يَنطقُ، والدّليلُ الذي لا يُرَدُّ، والذِّكرُ الذي لا يَبلى. فيا أيّها النّاكِئون جراحَ الماضي، وكأنّ أهلَنا لا يَكفيهم ما يعانون، في حاضرِهم، وبفَضلِكم، من أزماتٍ اجتماعيةٍ، واقتصادية، وسياسية، جوّعَتهم، ويأَّسَتهم، وهجّرَتهم… فكَفَروا بكم، وبأنفسِهم، وبالوطن؟
فرحمةً بالنّاسِ، وبالمنطقِ، وبالحقيقةِ، إلتزِموا قاعدةَ الحَياءِ والعَيب، وافرضوا مِقَصَّ الرّقابةِ على ما يهبطُ من سواقي نُخاعاتِكم وصولاً الى ألسنَتِكم، ليُبقِيَ على النّافِعِ الموضوعيّ، ويُقصِيَ الضارَّ المُغرِضَ الذي لا يَفيدُ منه أحدٌ. إنّ الحَياءَ هو تلك الحالةُ الأخلاقيةُ التي تُقاسُ بها قيمةُ الإنسان، فتَحَلَّوا بهذه القيمةِ وتوقَّفوا عن بَثِّ السُّمومِ التي يجرفُكُم أَذاها، قبلَ غيرِكم. ودُمتُم.