نحن عبَرْنا واعْتَبرنا أما بعضهم فلا

 


لقد علّمتنا تجارب الحياة، لا سيّما المريرة منها، أنّ الانسان لا يستطيع الاستمرار على الاستقرار أو الاستقرار على الاستمرار إلا إذا اعتبَر مِن كلّ ما يتعرّض إليه. وهكذا حياة الأوطان، مكتوب لها أن تبقى وتستمرّ، لكن شرط أن يتّعظ أبناؤها من كلّ ما حدث معهم طوال تاريخ وجودهم في أوطانهم. وذلك على قاعدة أنّ الشاطر يتعلّم من أخطائه. لكنّ العبقريّ هو الذي يتعلّم من أخطاء غيره.

اليوم 13 نيسان الذكرى السادسة والأربعين للحرب الأهليّة اللبنانيّة. وما يؤلم كثيرًا أنّ بعض اللبنانيّين لا يزال الزمن عندهم واقفًا في تلك الأيّام. لقد عبرنا نحو الدّولة يوم قرّرنا كلبنانيّين كيانيّين أن نحتكم إلى الدّولة، ونبني جنبًا إلى جنب إخوتنا في الوطن دولة على قدر طموح رفاقنا الذين استُشهدوا، وعلى قدر احلام أبنائنا الذين سيكملوا من بعدنا ما بدأناه. نعم، لقد عبرنا واعتبَرنا من كلّ ما حدث معنا، ولذلك قرّرنا البناء لا الهدم. ومن هذا المنطلَق كان دخولنا إلى مؤسسات الدّولة لا من أجل المراكز والمناصب، بل لخدمة الوطن وأبنائه بهدف بناء مستقبل أفضل لأولادنا وأحفادنا.

لكن ما يؤلمنا كثيرًا هو أنّ بعضهم لا يزال واقفًا على هاتيك التلّة يتراشق وغيره من مخلّفات تلك الحرب البغيضة. وإن شارك في مؤسسات الدّولة تراه نقل معه هذه العقليّة الهدّامة بغرض القضاء على ما تبقّى من دولة في لبنان. وإن طالبه النّاس بجردة حساب يأتي جوابه الساخر والسطحي استخفافًا بالعقول وقهرًا في النفوس قائلا: “كنّا نريد أن نعمل لكن ما خلّونا”. هذه هي عقليّة الهدم بحدّ ذاتها، وهي التي استكمل فيها نهج هدمه الحجر بهدمه للبشر حيث يأسهم وقالها لهم بملء العبارة:”من لا يعجبه الوضع هكذا … فليهاجر”.

وبعض من هؤلاء أيضًا تابع سياسة النّهب والنّهش في المؤسسات والصناديق والهيئات التي جعلها منافذ لأزلامه في الدّولة. فعمل على زرعهم لو شكّلوا فائضًا غير منتج، لكن المهم أن يغرفوا من خيرات الدّولة على قدر ما أتاحه لهم، ليتمكّن هو بدوره من غرف ما استطاعته يداه، على قاعدة أنّ الدّولة هي بقرة حلوب كما كان يردّد الرّئيس الراحل الياس الهراوي.

هذه صور من حرب لم تنتهِ عند هؤلاء كلّهم، وكلّ على طريقته. وما يؤلم أكثر من ذلك أن بعض هذا البعض أيضًا احتفظ بهويّة الحرب وقلبها مقاومة ضدّ العدو ليشرّع سلاحه. وفي ليلة ليلاء عندما انسحب العدو من أرضنا بفعل صمود أبنائنا في قراهم، وبقدرة جيشنا القوي، وبالتضحيات التي دفعها أبناء لبنان من استشهاد في سبيل وطنهم، وليس جهادًا في سبيل حوريّات الجنّة وأنهار اللبن والعسل. احتفظ هذا البعض تحت ذريعة لبنانيّة مزارع شبعا لمدّة إحدى وعشرين سنة بسلاحه تحت أكذوبة راية مقاومة العدو. ليعترف عرّابه، أي الأسد، بأنّ مزارع شبعا سوريّة وليست لبنانيّة، مُسقِطًا باعترافه هذا أكذوبته طيلة العقدين ونيّف من العقد.

لعلّ هذا البعض لا يريد من الأساس لبنان كما تركه لنا الآباء والأجداد. لذلك تراهم يمعنون في الحرب ضدّه بهدف تدميره. لكن لا وألف لا. لن نسمح لهم مهما بلغ جبروت قوّتهم بأن يدمّروا وطنًا بنيناه طيلة أكثر من ألف وأربعمئة سنة من النّضال، والعرق، والتعب، والدّماء. نحن أنشأنا لبنان ولن نكون ضيوفًا فيه. وكلّنا لبنانيّون بالولادة. لكن ما يفرّقنا عن غيرنا أنّنا كيانيّون بينما هم ليفنتينيّون، نفعيّون، مصلحيّون، استغلاليّون، إنتهازيّون، تجّار هيكل سيقع حتمًا على رؤوسهم. ولن نسمح لهم بتدمير تاريخنا معهم لأنّنا اتّعظنا وعبرنا واعتبرنا.

  • 13 نيسان 2021 قوّتنا في قدرتنا على الحوار، والتواصل، والسلام، وهذا ما لا، ولن يملكوه أبدًا لأنّهم أبناء الظلمة وليسوا أبناء النور.
  • 13 نيسان 2021 قوّتنا في قدرتنا على أن نكون نموذجًا يُحتَذى بالنّسبة إلى أجيالهم الذين يؤمّون مدارسنا، وجامعاتنا، ومعاهدنا طلبًا للحضارة لا للعلم فقط.
  • 13 نيسان 2021 قوّتنا في قدرتنا على أن نكون نموذج في عيش الحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة التي باعواها لطواغيت الشام وطهران وحارة حريك.
  • 13 نيسان 2021 قوّتنا في قدرتنا على الصمود والمقاومة والتصدّي وقول الحقيقة مهما كانت صعبة لأنّنا أبناء هذه الحقيقة ولا نعرف إلا أن نكون أصواتًا صارخة في براريهم القاحلة.
  • 13 نيسان 2021 قوّتنا في قدرتنا على إنتاج مشاريع للجمهوريّة القويّة التي تشبه أحلامنا وطموحات أولادنا وأحفادنا من بعدنا.
  • 13 نيسان 2021 قوّتنا في قدرتنا على الحفاظ على هويتنا الكيانيّة اللبنانيّة، والعربيّة الأصيلة، والعالميّة الحضاريّة لا على بيعها لنتحوّل إلى هويّة منبوذة من العالم كلّه.
  • 13 نيسان 2021 قوّتنا في قدرتنا على أن نكون الأنموذج الحضاري في عيش لبنان الرسالة، لبنان أكاديميّة الانسان للتلاقي والحوار فعلا لا قولا.

نحن عبَرنا 13 نيسان 1975، وانطلقنا من بعد 13 نيسان 2021، وقوّات الجحيم لن تقوى علينا لأنّنا أصحاب حقّ، وحقّنا في أن نعيش أحرارًا. ولن نسمح لأحد بسلبه منّا. ولو أراد أن يكرّر 13 نيسان 1975 سنكون له بالمرصاد، لكن بنسخة جديدة لا تشبه سابقتها أبدًا لأنّنا عبرنا… واعتبرنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل