
بعدما انطلقت عملية التلقيح ضد فيروس كورونا، لتلفّ الكرة الأرضية، تتجه الأنظار اليوم إلى عدد من اللقاحات التي حصلت على موافقة منظمة الصحة العالمية، إلا ان علامات استفهام طرحت حولها، وازدادت الشكوك المتعلقة بالعوارض الجانبية التي يمكن أن تخلفها. نعم، بعد أسابيع من التكهنات حول “أسترازينيكا”، بات واضحاً علمياً، أن عشرات الحالات من جلطات الدم المبلغ عنها، على صلة باللقاح، لكنّ هذا الأمر لم يغيّر، علمياً أيضاً، الاستنتاج بأن منافع اللقاح أكثر بكثير من عوارضه الجانبية، وهو ينقذ أرواحاً أكثر بكثير مما يعرضها للخطر.
استرازينيكا وغيرها من اللقاحات الشبيهة بها، دخلوا فعلياً الى سوق التطعيم اللبنانية، وراجت معهم أخبار تتعلق بضرورة تناول “الأسبيرين” أو مسيّلات الدم قبل التلقيح وبعده، احتياطياً، لكن فات اللبنانيين، أن اي دواء يُعطى يجب أن يكون من خلال متابعة أو وصفة طبيب، ولا يجوز أبداً التأثر بالمعتقدات الخاطئة أو بنصائح الأصدقاء، ففي الأمر صحة، والحفاظ عليها واجب، تماماً كما السعي الى درء خطر كورونا. وإذا كان بعض الأطباء يستغلون “الطفرة الوبائية” وما يرافقها لتحقيق أرباح طائلة، إلا أن المئات منهم، سخروا هواتفهم للمتابعة المجانية، في معركة يعتبرونها أساسية في مهنتهم… فلا تتردوا في الاستشارة لأنها “إنقاذية”.
طبيب القلب والشرايين والمدير الطبي في المستشفى اللبناني ـ الجعيتاوي الدكتور ناجي ابي راشد، يشرح بإسهاب معلومات الساعات الأخيرة المتعلقة ببعض الجلطات الناجمة عن لقاحات استخدمت تقنية الفيروسات الغدّية المعطلة وراثياً، مثل استرازينكا وسبوتنك وجونسون اند جونسون، متوقفاً عند العوارض الجانبية التي سببتها، وعلى الرغم من أن معظم حالات تجلط الدم المرتبطة باللقاح حدثت في أوردة الدماغ والوريد الحشوي، إلا أن الجلطات يمكن أن تحدث أيضا في الساقين والبطن والرئتين.
ويشير، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أنه تم تسجيل 4 حالات وفاة في روسيا، تتم دراستها والتعمق بها اليوم، لمعرفة مدى ارتباطها بلقاح سبوتنك، كذلك الأمر بالنسبة الى جونسون أند جونسون، إذ سجلت مشاكل مشابهة في أميركا، وتقوم الوكالة الطبية الأوروبية ـ EMA بدراستها لمعرفة ما إذا كان هناك ارتباطات بين اللقاح والجلطات.
ويرى أن ما هو مؤكد علمياً، هو وجود ترابط بين الجلطات والأشخاص الذين تلقوا لقاح استرازينيكا، مضيفاً، “يوجد بكل جرعة من استرازينيكا، 50 مليار جزئية تحتوي على الحمض النووي لإيصال البروتين الى الأعضاء، ومن الممكن أن ينكسر عدد من هذه الجزئيات السلبية، التي يؤدي لقائها مع الـplatelet factor 4 (صفائح دموية) الإيجابية، الى حدوث تجلط، وهذه العملية شبيهة بحالة الهيبارين الناجم عن قلة الصفيحات، وهي حالات موجودة طبياً.
ويشرح أن تحريك المناعة من خلال اللقاح يمكن أن يحرك هذه الصفائح الدموية (Platelet factor 4)، التي ينتج عنها مضاعفات وهي الجلطات الدموية، وإذ يلفت الى أن هذه النتائج ظهرت في الدراسات التي أجريت في المانيا والنروج وبريطانيا وأستراليا، يجزم بأن نسبة هذه الجلطات ليست مرتفعة. ويطمئن من خلال الأرقام الى أنه من أصل 34 مليون حصلوا على لقاح استرازينيكا في العالم، هناك 220 اصيبوا بالجلطات، ومن ضمن هؤلاء الـ220، ثلاثون حالة وفاة، لافتاً الى أن نسبة الوفاة من الإصابة هي 20 بالمئة، بينما نسبة الإصابة بالجلطة جراء اللقاح فلا تتعدى الـ3 بالمليون.
تشير الدراسات، بحسب أبي راشد، الى أن الجلطات الموثقة حدثت بين اليوم الرابع والسادس عشر من تلقي اللقاح، وعلى كل من يشعر بعوارض مشبوهة، كألآم حادة في الرأس، أو ضيق في التنفس أو ألم في الصدر أو تورم في الساق أو ألم شديد ومستمر في البطن، أن يطلب المساعدة الطبية على الفور، مشدداً على أن منافع اللقاح تبقى أكثر بكثير من مضاره المحدودة. ويلفت الى أن بريطانيا، اتخذت قراراً بتلقيح من هم دون الثلاثين عاماً بغير استرازينيكا، كما أن عدداً من دول اوروبا واستراليا وكندا، حددت أعمار من يتلقى استرازينيكا بين 50 و60 عاماً لتخفيف المخاطر، مشيراً الى أن الوكالة الطبية الأوروبية ـ EMA، اقترحت على شركة أسترازينيكا إعطاء نصف الـجرعة، بعدما تبيّن أن عدداً كبيراً ممن تلقى الجرعة الأولى، كوّن حماية كبيرة، والاتجاه اليوم ببقاء استرازينيكا على اللقاح نفسه انما بنصف جرعة للحصول على نتائج مضمونة بمخاطر أقل.
أكثر من عشرة آلاف لبناني تلقوا استرازينيكا، وكثرت الأحاديث عن ضرورة تناول مسيلات الدم قبل اللقاح وبعده لتخفيف المخاطر، وفي هذا السياق، يجزم أبي راشد بأنه لا يوجد أي دراسة أو توصية في الوقت الحاضر تنصح بضرورة تناول الاسبيرين أو أي دواء آخر مسيّل للدم، وتعمل الجمعيات الصحية العالمية على هذا الموضوع، حتى أن منظمة الصحة العالمية لا تنصح باستخدام الاسبيرين كوقاية، التوصية الوحيدة هي أن الأشخاص الذين تعرضوا لجلطات متقدمة من هذا النوع، يمكنهم الحصول على immunoglobulin. ويضيف، “المنطق لا يقول إن الأسبيرين يعمل على الجلطات، كما أنه من غير الجائز تناول الأبارين، ويبقى مضادات تجلط الدم عن طريق الفم (oral anticoagulant)، كالـParadaxa والـXarelto… التي من الممكن تناولها إنما شرط العودة الى الطبيب، إذ من غير المقبول أن يتم تناول أي دواء من دون وصفة طبيب، ولا يجب على المرضى الذين قرروا تلقي لقاح كورونا تناول الأسبيرين أو أي دواء آخر، لأن لهذا النوع من الأدوية عوارض جانبية تؤذي أكتر بكتير مما تنفع، مطالباً بعدم الاعتماد على توصيات الجيران والأقارب والأصدقاء، لان أخذ الدواء أمر بغاية الدقة والأهمية.
لكن بمعزل عن اللقاح، كثيرون ممن شفوا من كورونا، تعرضوا بعد فترة لمضاعفات خطيرة وأحياناً الموت، وقد يكون في هذا النوع من الأدوية حماية لهم.
يرفض أبي راشد هذا المنطق جملة وتفصيلاً، متطرقاً الى ما يعرف علمياً بالـlong co-vid، أي من اصيب بالعدوى ولم يتمكن من العودة الى حياته الطبيعية بعد أسابيع من شفائه، محذراً من العوارض التالية: ضيق نفس، تورم في الرجلين، تقطيش في القلب، سرعة في النبض، مشاكل سكري، تعب، عدم نشاط، دوخة، وألم رأس.
ويطلب من كل من يشعر بهذه العوارض بعد التعافي من كورونا، مراجعة طبيبه او أحد المراكز المختصة بكورونا، لان هذا الفيروس ليس فقط تنفسياً، إنما يضرب أعضاء في الجسم، (القلب، السكري، الجهاز العصبي، العضل)، مذكراً بأن الدراسات في اميركا ولندن، بيّنت أن 60% ممن أصيبوا بكورونا يعانون من ضعف في القلب، وهذه الأرقام لا يمكن الاستهانة بها أبداً.
