الشرق الأوسط بين مفاعل نطنز وانتفاضة الحلفاء

في ضوء تعرض مفاعل نطنز النووي الإيراني للهجوم المدمر منذ أيام، بدأت تتكشف معالم المرحلة الجديدة من الصراع الإقليمي ـ الدولي حول الملف النووي الإيراني، انطلاقا من تقاطعات جيو ـ سياسية تجعل هذا الملف يحدد الى حد كبير مصير العلاقات الدولية والاقليمية في غرب آسيا.

مع وصول الديمقراطيين الى السلطة في البيت الأبيض، بدا واضحاً جنوح الرئيس جو بايدن نحو العودة الى اتفاق 2015، المعروف بالاتفاق النووي مع إيران (5+1).

مع تعيين روبرت مالي مبعوثاً أميركياً جديداً خاصاً بالملف النووي أرسلت إدارة بايدن إشارة قوية إلى الايرانيين بالرغبة القوية في إحياء الاتفاق، انطلاقاً من تأييد الدول الأوروبية المشاركة في اتفاق لوزان والقوى العظمى التي أيدته. لكن سرعان ما تبين للأميركيين وقوعهم بين فكي كماشة:

الجمهورية الاسلامية في ايران من جهة والتي رأت في وصول بايدن وفريقه فرصة جديدة لخروجها من العزلة الدولية والاقليمية التي فرضتها سياسات الرئيس السابق دونالد ترمب، فبادرت وبعد عدة مناورات ومحاولات جس نبض، وتأكدها من استعداد ادارة بايدن للهرولة باتجاه احياء الاتفاق النووي، وضعف تلك الادارة في مواجهة استفزازاتها العسكرية واعتداءاتها على القوات الاميركية والمنشأت العسكرية في العراق (بدء من قصف مطار اربيل مروراً بقصف ميليشياتها لقاعدة عين الاسد الجوية وصولاً الى خرق طهران التزاماتها النووية بموجب اتفاق 2015 باطلاق عمليات التخصيب، وبخرق إيران المتمادي للعقوبات منذ اشهر بإرسالها 3 شحنات من البنزين إلى فنزويلا)، إذ ادركت ان امامها موقفاً اميركياً ضعيفاً يمكنها استغلاله، فاشترطت وكانت لا تزال تشترط الغاء كافة العقوبات التي فرضتها ادارة ترمب عليها قبل اي بحث في احياء الاتفاق النووي. والحقيقة ان طهران لا يهمها كثيرا العودة الى الاتفاق النووي بقدر ما يهمها رفع العقوبات عنها لاستعادة اموالها وبالتالي تعويم مخططها الاقليمي بالسيطرة وزعزعة استقرار دول المنطقة.

ومن جهة ثانية، محور اسرائيل والدول العربية ولا سيما الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، والتي تمكنت بعدما أدركت خطورة ما سمي بالربيع العربي وتداعياته عليها وعلى انظمة المنطقة العربية من مساعدة مصر والبحرين واليمن على وقف التمدد الاخواني ـ التركي والايراني الشيعي، وتزعم المواجهة العربية المباشرة مع إيران ضمن حلف رباعي عربي طبع مع اسرائيل (مصري ـ امارتي ـبحريني) وما لبث ان انضم اليه السودان والمغرب.

فهذا المحور فرض معطى جيو ـ استراتيجي جعل من الصعب على الاميركيين تخطيه وتجاوزه لاستكمال المضي في الاتفاق النووي مع إيران، في ظل كلمة سر جامعة بين دول هذا المحور: لا لايران نووية مهما كلف الامر، ولا لاتفاق لا يضمن توقف برنامج ايران في تصنيع وتصدير الصواريخ الباليستية الى ميليشياتها ووكلائها الاقليميين وكبح جماح الوكلاء المزعزعين لامن واستقرار دول المنطقة.

حاولت واشنطن الالتفاف على المحور الإسرائيلي ـ العربي، في بداية الامر، الى ان أرسل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اولى اشارات عدم الرضى على عودة واشنطن الى الاتفاق غداة الاتصال الهاتفي الاول الذي اجراء الرئيس بايدن معه، إذ كان كلام نتنياهو واضحاً في التمييز بين علاقته الشخصية التي اعتبرها جيدة وتاريخية بالرئيس بايدن وبين مصلحة اسرائيل اولا.

منذ تلك اللحظة حاولت ادارة جو بايدن اللعب على خطين:

اولاً: تسريع العودة الى التفاوض على استئناف الاتفاق النووي بدعم اوروبي روسي صيني

ثانياً: وفي نفس الوقت طمأنت حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة وعلى راسهم اسرائيل والسعودية الى الاستحصال على الضمانات من إيران بخصوص برنامج الصواريخ الباليستية وكف تدخلها في شؤون الدول العربية من خلال وكلائها.

لكن ومع توقيع الصين على الخطوط العريضة لاتفاق استراتيجي مع إيران، ادركت ادارة بايدن المتوجسة من الدور الصيني في غرب اسيا، والتي تعتبر الصين اولويتها الاولى والمطلقة، ان امامها فرصة لتسريع الاتفاق النووي لقطع الطريق امام وقوع ايران في احضان الصين، وثمة من في واشنطن ابدى استعداده للذهاب الى حد الغاء كل العقوبات مقابل توقف ايران عن السير في الاتفاق مع الصينيين.

هنا برزت 3 معطيات جديدة كانت لها انعكاساتها على المشهد الاقليمي العام:

المعطى الاول: انقسام حاد داخل فريق العمل الديمقراطي في واشنطن لا بل بين الفريق والجمهوريين وبعض الديمقراطيين، بين تيار لا يحبذ الهرولة نحو الاتفاق باي ثمن ويؤيد استمرار الضغط والعقوبات على إيران لنيل اقصى ما يمكن من تنازلات منها وتيار يرى ان الفرصة سانحة وقد لن تتكرر باقناع ايران بالعودة الى الاتفاق النووي ولو بدون تعديلات تطاول الصواريخ الباليستية ومصير ميليشياتها في المنطقة لان المطلوب بنظر هذا التيار اقفال ملف غرب اسيا للانطلاق الى ساحة التحديات الحقيقية الا وهي شرق وجنوب اسيا (حيث تعتبر واشنطن تلك المنطقة أولويتها على الشرق الاوسط لمواجهة العدو الاول للأميركيين، الصين ومحاصرتها).

المعطى الثاني: توحد الرؤية الإسرائيلية ـ العربية على ضرورة مقاومة اية محاولة لعودة الاتفاق النووي وعدم السماح لايران بامتلاك السلاح النووي مهما كلف الامر. وقد اوصلت عواصم المنطقة رسالة واضحة الى واشنطن والاوروبيين بأن اي تساهل مع إيران في امتلاكها السلاح النووي سيؤدي الى فتح باب جهنم نووي في المنطقة قد يصل الى حد خوض سباق تسلح نووي عربي ايراني وان دول الخليج وفي طليعتها السعودية والامارات، ومن ورائهما مصر لا يمكنهما القبول بأن يقعوا فريسة سهلة بين سلاح نووي اسرائيلي وسلاح نووي ايراني.

المعطى الثالث: تزاحم الاجندات الدولية الاقليمية في المنطقة بين:

1 – استحقاقات روسية داهمة في اوكرانيا والقرم، وعودة التوتر الاميركي الروسي على هذا الخط، وترقب كلمة تاريخية للرئيس فلاديمير بوتين في 21 نيسان مع فتح الملف الاوكراني مجددا على مصراعيه من بوابة اقليم دومباس شرق أوكرانيا، ذات الاغلبية الروسية. فواشنطن تنظر الى موسكو من منظار فك تحالفها مع طهران وبكين، وهي تعتبر ان الاتفاق النووي يفك التحالف الايراني مع الصين، فيما انسحاب بوتين من سوريا يفك تحالفه بالصين وإيران.

2 – استحقاقات الانتخابات في اسرائيل وسوريا وإيران.

في إسرائيل، بنيامين نتنياهو في وضع سياسي صعب يجعله مستعدا للقيام باية مبادرة لوضع خصومه تحت الامر الواقع بما في ذلك شن مواجهات مع ايران إقليميا. فالشارع الاسرائلي منقسم حياله والانتخابات الاخيرة انتهت بتعادل سلبي جعل اي شخصية عاجزة بمفردها عن تشكيل حكومة أكثرية، وقد حظي نتنياهو بغالبية 52 عضواً مقابل 45 من اليمين الوسط ما يفقده اغلبية 61 صوتاً لنيل ثقة الكنيست. لذا، نتنياهو على موعد مع استحقاق انتخابي خامس ما لم يفلح في تشكيل حكومته. ومن هنا حساسيته المفرطة في تحقيق انجاز اقليمي يقوي موقعه التفاوضي في الداخل، واهم انجاز هو خوض الصراع مع إيران على قاعدة رفض السلاح النووي الايراني والاتفاق النووي.

فليست صدفة ان يتم الهجوم على مفاعل نطنز بالتزامن مع استقباله وزير الدفاع الاميركي في رسالة واضحة مزدوجة الى كل من اميركا والداخل الاسرائيلي.

وفي سوريا انتخابات رئاسية تريدها موسكو مفصلية لتثبيت حصتها من الكعكة السورية، بالتوافق مع الاميركيين، وقد دعت موسكو المجتمع الدولي الى تقديم المساعدة لسوريا في اجراء تلك الانتخابات هذا العام، كدليل على عجز بوتين وحده على السير في المسار السياسي ما لم يدعمه المجتمع الدولي وخصوصاً الاوروبي والاميركي والعربي، الامر الذي يجعل روسيا منفتحة أكثر على استجابة لمطلب فك التحالف مع إيران ان كان هو الثمن لنيل المساعدة.

وفي ايران، صراع داخلي بين تيارين: تيار الاصلاحيين الذي يحاول انجاز شيء ما في الملف النووي عبر الثنائي روحاني ـ ظريف لضمان ورقة رابحة للانتخابات، الامر الذي يعرقله الحرس الثوري والمرشد، الذين لا يريدون اعطاء الاصلاحيين اي ورقة ناجحة او انجاز إقليمي بما ان السياسة الاقليمية يجب ان تبقى حصريا بيد المرشد وحراس الثورة، اما التيار المتطرف او المحافظ فيسعى الى الضغط على الاميركيين الديمقراطيين بالحد الاقصى مستفيدين من الهرولة الاميركية الظاهرة.

وسط كل هذه التعقيدات والحسابات المتداخلة دوليا وإقليميا، جاء الهجوم على مفاعل نطنز ليخلط الاوراق في كل الاتجاهات، خصوصاً أن الهجوم في توقيته ووقعه، يبدو جاء معطلا للمساعي في جنيف التي بدأت، والهجوم تسبب في تأخر السير في التخصيب لاسابيع وربما أشهر، بما يعطي الوقت الكافي للاميركيين والغرب للتفكير في ضرورة اخذ المصالح الاقليمية للحلفاء بعين الاعتبار في اي اتفاق جديد وبما يضع إيران مجدداً أمام خيارات صعبة ليس اقلها ترجيح كفة التطرف في الانتخابات المقبلة.

ضرب مفاعل نطنز اثبت انه مهما كانت سياسة الادارة الديمقراطية مهرولة نحو احياء الاتفاق الا ان ما دون احيائه عقبات جدية كبيرة غير قابلة للتجاوز، أبرزها القرار الاقليمي بعدم السماح بتمرير صفقة نووي جديدة لا تضمن مصالح دول المنطقة. فالهجوم على نطنز اول تجسيد حقيقي وجدي لانتفاضة الحلفاء التقليديين للاميركيين في المنطقة بالتصدي لاي اتفاق نووي، لا بل برفض إيران نووية مهما كلف الامر، وبالإذن من واشنطن الديمقراطية.

فهل هجوم نطنز مؤشر على بداية ارتفاع وتيرة الصراع الاقليمي الذي سيؤدي الى تسوية جديدة من نوع جديد، بالتوازي مع ارتفاع حدة الصراع في اوكرانيا وفي شرق اسيا. منذ ساعات اتهمت تايوان الصين بخرق طيرانها الحربي أجواءها… وللحديث تتمة

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل