Site icon Lebanese Forces Official Website

خارطة أولويات واشنطن اللبنانية… المواجهة مستمرة

“حزب الله والنشاطات غير الشرعية تمنع قيام دولة سالمة في لبنان، وإيران تموِّل ذلك”. رسالة شديدة الوضوح تقصَّد وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل إطلاقها من على منبر بعبدا بعد لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون، أمس الخميس، ليردف بشكل لافت، “جئت بناء على طلب وزير الخارجية أنتوني بلينكن لأشدد على التزام الحكومة الأميركية موضوع لبنان”.

وإذا كان اللقاء مع عون طبيعياً بصفته رئيس الدولة، فإن رفض هيل، الموفد من قبل رئيسه المباشر الجديد بلينكن، لقاء رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، المعاقب أميركياً، لا يترك مجالاً للشك حول استمرار السياسة الأميركية في الإدارة الجديدة على نهجها المتشدد تجاه المحور الإيراني وحلفائه.

مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية سامي نادر، يضيء على الأبعاد الاستراتيجية للسياسات الأميركية، وما يتصل منها بلبنان ربطاً بالمواقف التي أطلقها هيل. ويرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “يجب التركيز على مسألتين مهمَّتين موجودتين على طاولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، تستخدمهما طهران كأوراق تفاوضية: ترسيم الحدود وتشكيل الحكومة اللبنانية”.

ويشير، إلى أن “واشنطن معنية مباشرة بملف ترسيم الحدود، وأعلنت عن ذلك صراحةً حين أنشأت تحالف الدول الست الذي يضم: إسرائيل واليونان ومصر والأردن وقبرص وإيطاليا، والذي انضمت إليه الإمارات، لاحقاً، بصفة مراقب. ومن الواضح أن لديها أولوية استراتيجية غازية نفطية للإمدادات الغازية في المنطقة عبر شرق المتوسط. من هنا تسعى واشنطن لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، ليس فقط لحلّ النزاع القائم بين الجانبين، إنما في سائر منطقة شرق المتوسط”.

“بالتالي، هناك مصالح أميركية في هذه القضية وإيران تدرك ذلك بطبيعة الحال”، يقول نادر، معتبراً أن “التعقيد الذي طرأ على هذا الملف لافت، من زاوية أن لبنان تقدَّم حتى الآن بثلاثة عروض في ما يتعلق بحدوده البحرية. في البداية قيل، ارتُكبت غلطة في الترسيم مع قبرص، ثم وُضع الخط 23 على الطاولة وبدأ التفاوض مع الأميركيين على أساسه لأكثر من 4 سنوات، لنصل اليوم إلى المطالبة بـ1430 كلم2 إضافية؟”.

ويضيف، “لبنان كان يفاوض في البداية على 860 كلم2 مع الوسيط الأميركي فريديريك هوف، الذي عرض أن تكون ثلثا هذه المساحة للبنان والثلث لإسرائيل ولبنان رفض ذلك، لكن (De facto) أصبحت قاعدة التفاوض. وإذ، وبعد عقد اتفاق الإطار على هذا الأساس، على الرغم من عدم تحديد المساحة، أصبحت المطالبة اليوم بـ2290 كلم2”.

ويلفت، إلى أنه “قبل الحديث عن المضمون، إنما في الشكل لبنان غيَّر قاعدته التفاوضية ثلاث مرات، وكأنه بذلك يعطي ذريعة لخصمه كي يتملَّص ويتذرع بعدم جدية الطرف اللبناني”، مذكّراً، بأن “هذا ما قاله بالفعل مساعد وزير الخارجية السابق ديفيد شينكر الذي أشرف على الملف لفترة، إن لبنان غير جديّ”. ويقول، “قد يكون رفع سقف المطالب لزرك الإسرائيلي والأميركي في المفاوضات، وربما يجب المطالبة بـ5000 كلم2 مثلاً، على سبيل البحث، لكن كان يجب طرح ذلك منذ اليوم الأول، لأنه حين تغيِّر قاعدتك التفاوضية ثلاث مرات تكون بذلك تُضعف موقفك التفاوضي، ومشروعيتك التفاوضية تهتزّ”.

ويوضح، أن “هذا الملف يشكل أولوية لدى واشنطن في تعاملها مع لبنان لكونه جزءاً من ملف النفط والغاز الأكبر في شرق المتوسط وإمدادات الغاز إلى أوروبا ويتصل باتفاق الدول الست المشار إليها. بالتالي، أمسك حزب الله بهذه الورقة لمصلحة إيران في إطار مفاوضاتها مع واشنطن”.

ويعتبر نادر، أن “ملف تشكيل الحكومة يأتي بعد ملف ترسيم الحدود على سلّم الأولويات بالنسبة لواشنطن”، مذكّراً بأنه “في اليوم الذي أُسقطت فيه مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وانقضت المهل الممددة لتشكيل الحكومة، تم إحياء قضية ترسيم الحدود مع إسرائيل على الفور، لأن السلطة الحاكمة تدرك أهمية الموضوع بالنسبة للأميركيين”.

ويضيف، “الأميركيون لم يوافقوا حينها على الانفتاح الفرنسي على حزب الله بالنسبة لتشكيل الحكومة ولم يعطوا الغطاء اللازم. وعندما أدرك القابضون على القرار هذا الأمر، أوقفوا المفاوضات وعرقلوا التشكيل، باعتبار أن المشكلة ليست مع الفرنسي فلماذا نسلِّفه حكومة؟ وقاموا بفتح الموضوع الذي يهمّ الأميركيين، ترسيم الحدود”.

وفي السياق، يشدد نادر، على “أهمية التقرير الذي أصدرته وكالة الـ CIA بالأمس الذي وضع أربع أولويات ـ أخطار وتهديدات كبرى تواجه أميركا: الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية. ولا يمكن ألا تبني الإدارة الأميركية الجديدة على هذا التقرير المركزي، وفي هذه الحال، يُعتبر ذلك نوعاً ما استمرارية لسياسة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، على الرغم من بعض المقاربات المختلفة لناحية الأسلوب”.

“والبارز في هذا التقرير الكلام عن الخطر النووي العسكري الإيراني، وأن طهران تسعى للحصول على السلاح النووي”، يضيف نادر، معتبراً أن “ذلك يرتِّب عقيدة واستراتيجية دفاعية أميركية مختلفة عن سياسة الانفتاح ومندرجاتها”. ويلفت إلى “التفجير الذي وقع في مفاعل نطنز قبل أيام وتوجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل ودخولها على الخط، ما يعقِّد ويصعِّب المفاوضات حول الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن والدول المنضوية فيه، وباتت العودة إليها وكأن شيئاً لم يكن موضع تساؤلات، خصوصاً بعد استغلال إيران لهذا التفجير للتذرع بعدم ثقتها بالأطراف الأخرى والعودة إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، فماذا يبقى من مضمون الاتفاق الذي يراد العودة إليه؟”.

وأمام هذا المشهد، لا يرى نادر “عناصر للانفراج، وإدارة الرئيس جو بايدن ستنتهي على الأرجح إلى مواجهة مع إيران قد لا تختلف كثيراً عن الإدارة السابقة، ما يعني أن الدولة العميقة والمؤسسات في أميركا لديها سياسات استراتيجية مستمرة وعابرة للإدارات المتعاقبة لأنها مبنية على الثوابت والمصالح الأميركية الاستراتيجية العميقة في العالم”، مضيفاً أن “زيارة هيل، الذي يغادر منصبه قريباً، تأتي من ضمن هذا السياق، وتكليفه من بلينكن يؤكد استمرارية السياسة الأميركية تجاه لبنان. بالإضافة إلى ما تعنيه من وجود تنسيق أوروبي ـ أميركي حول تشكيل الحكومة، لكن يبقى الملف الأساسي ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل”.

Exit mobile version