
الفوضى تقضم لبنان قضمة قضمة. لا شيء هنا يوحي بأن لبنان عائد إلى لبنانه. كل شيء يموت فينا ومن حولنا. نعيش في تفاصيلنا الصغيرة والكبيرة ونغرق ونغرق في موج المصائب، وإذا التفّت صوب معنى حياتنا في لبنان، لا نجد سوى اننا أصبحنا كائنات صغيرة مسكينة تعيش لتؤمن كيلو السكر والرز وربطة الخبز وخزان البنزين، نغرق غصباً عنا في تفاصيلنا الصغيرة كي يجعلوننا ننسى التفصيل الكبير الخطير، التفجير الارهابي في 4 آب، الاحتلال الايراني للبنان، انهيارنا المالي والانساني وفساد السلطة غير المسبوق.
ننزل الى بيروت المدمرة، فنجدها لا تزال تحاول النهوض من رمادها، بيوت كثيرة رممت او لا تزال قيد الترميم، مؤسسات لا تزال في عمق دمارها، منشآت المرفأ تنتظر من ينتشلها من الارهاب الذي ضربها و… هؤلاء. شباب وصبايا بتلك السترة الحمراء الممهورة باسم Ground-0. يتورّم القلب لرؤيتهم، كي لا نقول أكثر، والاكثر هو اننا نخجل لأننا لم نمد لهم يد العون مذذاك الاب العابق بالدم والاشلاء.
منذ ثمانية أشهر وهم تحت في بيروت، يركضون خلف دمارها، وفي كل الاتجاهات ليعيدوا اليها بعض الالق من عمق موتها. ما خلص الشغل بعد يا شباب؟ طيب ايمتى بيخلص؟ “الشغل ما بيخلص” يجيبون، “وهلأ انطلقنا بمرحلة جديدة من الترميم”. البيوت تحت تعيش ورشة غير اعتيادية ليس لان الدولة تمد يد العون، ابدا، هذه دولة لا تترك خلفها الا بصمات الموت والارهاب والتنكر للشعب، هذه سلطة لا تعرف الا ان تدمر الناس ولا تعيش الا من رفاتنا “لاء فشروا ما رح نخليهن يقتلوا فينا نخوة الحياة، رح نضل نجرّب نساعد طالما قادرين”، تقول صبية من المتطوعات للعمل مع فريق غراوند زيرو.
“صلّحنا 510 بيوت، هيدا عدا عن المساعدات الاجتماعية والطبية والاف الحصص الغذائية والوجبات اليومية لـ وُزعت تـ نجرّب نخفف وطأة هالمصيبة على اهلنا بالمنطقة، الاسبوع الماضي انطلقنا بالمرحلة التانية من اعادة ترميم للبيوت المدمرة، واخدنا على عاتقنا مئة بيت جديد سنصلحها بخلال شهرين كحد اقصى”، يقول معاون الامين العام لحزب القوات اللبنانية وسام راجي.
يسأل الناس، من اين تأتي القوات اللبنانية بتلك الاموال لترميم البيوت في بيروت؟ الدكتور جعجع كان واضحا منذ البداية في هذا الاتجاه، يتكلم عن غراوند زيرو كأنها ابن غال جدا على قلبه، ويوضح مصادر التمويل بكل شفافية “هالجمعية لـ رافقت بيروت منذ كارثتها، مستمرة بعملها الصعب والشاق، وهون بدي اشكر رئيسة واعضاء غراوند زيرو، لان على الرغم من كل الصعوبات الكبيرة والتعقيدات المرافقة لعملهم، قاموا بإنجاز كبير بفترة زمنية قصيرة، والقوات اليوم وبعد حصولها على هبة جديدة، ستكمل عملها بترميم مئة وحدة سكنية جديدة”.
اذاً عصب التمويل هو من شبابنا في الاغتراب كما دائما، اغتراب حنون نشيط ملهوف على ارضه الام، اغتراب لا يعرف سوى ان يعطي ويبذل كل مجهوده لأجل وطنه وقضيته ونضاله لأجل الانسان في لبنانه البعيد القريب “مصريات القوات مباركين لان مصادرنا من جماعتنا بالاغتراب، هم عصبنا الاساسي وهم من يسعون لمدنا بكل ما نحتاج وأكثر”، يوضح راجي.
أعمال الجمعية لا تتوقف على مجرد الترميم، اذ يسعى المهندسون المتطوعون لإنجاز الأعمال، إلى إعادة المنازل كما كانت قبل الانفجار وليس مجرد تصليح او مجرد ترميم ع الماشي “أحياناً منعيد بناء الشقة بالكامل لأن الانفجار قضى على معالمها، ما مننترك اي ثغرة ولا يقبل المهندسون ان نفعل اساساً”، يقول احد العاملين في ورشة اعادة الاعمار تحت، وتحت عيون الناس الذين تخضع بيوتهم للترميم، لا ترسم الا بسمات الرضى، بسمات تخفي ألماً كبيراً عميقاً ليس لأنها فقدت منازلها، انما لان تلك السلطة الفاسدة تركتهم عرضة للتشرد ولرياح العوز والذل ولم تلتفت اليهم ولا حتى بسؤال، على الرغم من الالم يبتسمون لأنهم وجدوا لهم بعضاً من بلسم ان ثمة يا ربي من يمد لنا يد العون، من يحاول ان ينتشلنا من هول ما حصل على الرغم من ضيق مساحة تلك المساعدة التي لا تستطيع ان تشمل كل بيروت بالتأكيد، لكن حسبها انها تحاول بكل المستحيل والامكانات المتوافرة.
جمعيات كثيرة لا تزال تعمل في دمار بيروت، ولكل منها فضل في محاولة مد يد المساعدة، لكن Ground-0 لن تتوقف هنا، “خصوصاً انو عملنا لا يفرّق بين الناس سواء اكانوا مناصرين أو مختلفين معنا بالسياسة، كلنا مواطنين متساوين بهالمصيبة لـ وقعت على لبنان، ولدينا مخطط بان تبقى غراوند زيرو بجهوزية كاملة لاي حالات طارئة او مصائب جديدة لا سمح الله ممكن تصيبنا، او اي ازمة ممكن انو تحصل لنكون دايما جاهزين على الارض لمساعدة شعبنا”، يؤكد راجي.
على أحد ملصقات Ground-0 الكثيرة المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا أجد أفضل من ذاك الذي كتب “الايد لـ بتعمر نحنا”. العوافي يا ايادي البركة التي لا تعرف سوى ان تتبلل بعرقها لأجل وطن مبلل بمأساة سلطة فاسدة واحتلال بدائي يحاول ان يدمر كل ما فينا، وبكل ما فينا من قوة نقاوم.
