استعادة الحياة السياسيّة

مرّة جديدة نجحت هذه السلطة في حرف الأنظار عن الإشكاليّة الحقيقيّة التي تعرقل مسيرتها في السيطرة على مفاصل الدّولة كلّها. وما شهدناه في اليومين المنصرمين من فصول مسرحيّة سبيلبرغيّة، في المداهمات التي قادتها القاضية غادة عون يندرج في هذا السياق. ولعلّ القرار الذي صدر عن مجلس القضاء الأعلى بإحالتها إلى هيئة التفتيش القضائي سيزعج حتمًا هذه الأكثريّة الحاكمة كثيرًا.

وما لا شكّ فيه أنّ الردّ سيأتي من مكان آخر كما عوّدتنا هذه الأكثريّة المتغطرسة. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ القاضية عون استمرّت فيما بدأته فذهبت بعد الجلسة لمتابعة مسلسل مداهماتها، لكنّ محامي شركة مكتّف رفض استقبالها فرحلت متوعّدة العودة. من المهمّ في سياق ما جرى كلّه وضع الأمور في نصابها الحقيقي. الهدف السامي لعمل القاضية عون يكمن في محاربة الفساد، وتحديدًا هنا الفساد المالي الناجم عن التحويلات الماليّة. لكن بالطّبع هي لم تنطلق في ممارستها هذه من الهدف السامي لمهنة القضاء.

استعملت القاضية حجّة توتّرها العصبي التي انقلبت سلبًا عليها لتبرير ما أقدمت عليه. ومن المهمّ أيضًا هنا التركيز على أنّ المعركة الحقيقيّة فيما حصل لم تكن بين مركزين على خلفيّة الصلاحيّات كما عوّدنا التيّار في معاركه الدونكيشوتيّة؛ فصلاحيّات النائب العام الاستئنافي واضحة، كذلك صلاحيات النائب العام التمييزي. وبالطبع هنا، ينتمي كلّ من القاضيان إلى تيّار سياسيّ مختلف. والتيّاران في حالة تصارع على خلفيّات مختلفة. ولم ننسَ بعد كتاب الابراء المستحيل الذي سحب من الأسواق غبّ طلب انتخابيّ – تحالفيّ في العام 2018، وعاد ليطلّ برأسه غبّ الطلبات والمزايدات السياسيّة اليوم.

بات مؤكّداً أنّ هذه السلطة تسعى لافتعال إشكاليّات عدة كلّما ازداد الضغط عليها في ملفّ ما، وآخرها هنا في توقيع ملفّ تعديل ترسيم الحدود في المرسوم رقم 6433 الذي لم يوقّع عليه بعد زيارة ديفيد هيل إلى بعبدا. كذلك في الموضوع الحكومي المرهون إقليميًّا، بغضّ النظر عن الحلول المطروحة محلّيًّا. فلا شيء يمنع من تشكيل الحكومة لاستعادة الثقة بلبنان دوليًّا وعربيًّا، وبالتالي إعادة ضخّ العملة الصعبة لسير العجلة الاقتصاديّة، وللتفاوض مع صندوق النقد الدّولي.

وبالطبع هذه مسألة سهلة نسبيًّا لو أنّ هذه الأكثريّة المتغطرسة ليست مرتهنة خدمة لمشروع حزب الله لبنانيًّا وإقليميًّا، وحتّى دوليًّا في المسار التفاوضي الذي لا يبدو بأنّه سيكون سريعًا. وإن دلّ ذلك على شيء فهو يدلّ على أنّ الحلّ من هذه البوّابة يبدو بلا أفق، لا بل أفقه مقفل. لذلك لا حلّ إلا بقلب الطاولة. ولا يمكن هنا لوم القوى المعارضة الفاعلة في الحياة السياسيّة وذلك لأنّ مشروعها في الانتخابات المبكرة لم يلقَ أيّ توافق من القوى السياديّة التي ذهب بعضها للعمل على إطلاق جبهة معارضة مع مجموعات الضغط التي لا تملك حيثيّة سياسيّة.

ومن المهمّ في هذا السياق العمل وفق مسارين اثنين:

– الأوّل يكمن في بلورة جبهة معارضة سياسيّة مع مشروع سياسيّ واضح يبدأ بتغيير هذه الأكثريّة، لا مع مجموعات شعبويّة من دون أيّ آفاق سياسيّة، بل تسعى فقط إلى مصالحها الشخصيّة.

– الثاني يكمن في خلق رأي عام مؤيّد للمشروع السياسي وللحياة الحزبيّة لا عكس ذلك، لأنّه لن تستقيم الحياة السياسيّة في أيّ بلد في العالم من دون الأحزاب السياسيّة. والممارسات الخاطئة في بعضها ليست نموذجًا عامًّا، بل وجب محاسبتها ومساءلتها، والتعاون مع تلك التي أثبتت بالممارسة شفافيّتها ونزاهتها.

من هذا المنطلَق، خارطة الطريق واضحة، ولا خلاص إلا باتّباعها وفقًا للمسارين أعلاه. يبقى العمل على بلورة رأي عام يقتنع بأنّ العمل مع هذه الأكثريّة لن يفلح، وبالتّالي المطلوب إعادة إنتاج أكثريّة غيرها، مع العلم أنّ تحوّلها إلى معارضة لن يضرّ بالحياة الديمقراطيّة أبدًا لأنّها لن تستطيع ممارسة التعطيل أو العرقلة كما نجحت في هذه الفترات، بل عندها تستقيم العجلة الديمقراطية أكثر وتعود الحياة السياسيّة إلى طبيعتها، وهذا ما سينعكس حتمًا انفراجًا اقتصاديًّا يدفع نحو الخروج من الأزمة القاتلة. فهل ستنجح النّاس باعادة الحياة السياسيّة إلى حيث وجب أن تكون؟ أم ستبقى البوصلة ضائعة وبالتالي الوطن أيضًا؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل