21 نيسان: لا بدّ للقيد أن ينكسر

21 نيسان 1994، اعتُقل سمير جعجع بقرار من الاحتلال السوري، لتطويع “القوات” وفرض الوصاية السورية بشكل كامل. تستحق هذه المحطة الكثير من التحليل والبحث الجدي في كل ما رافقها، إنّما يهمني التوقف عند ثلاث نقاط أساسية.

النقطة الأولى وهي في شخص سمير جعجع، الثائر على الأحزاب التقليدية وصالون العائلات السياسية. الشاب الذي ترك مهنة الطب في عامها الأخير لأن “لبنان بحاجة لإلنا” ولبّى النداء. سمير جعجع الذي “خلع” باب القيادة بالعقل والقوة، عرف كيف يبني حزباً ومجتمعاً ونخبة تموت وتحيا من أجل القضية. كما عرف كيف يعطي القضية بعدها الفلسفي الأقصى، من الإنسان إلى الجماعة. وما يستحق التوقف عنده في اعتقال سمير جعجع، هو أن كلًّا من الموفد البابوي والبطريركي والرئاسي عرض عليه الرحيل من لبنان إلى قبرص، ومن ثم إلى أي بلد آخر، ليعارض كما يشاء من عواصم العالم؛ إلا أن جعجع الذي عرف الحرب بعيداً عن مكتبه، وقف على جبهات كثيرة، عرف رفاقه بالاسم. ليسوا ألوية وحضائر وأرهاط ورتب، بل هم رفاقه بالاسم. وكل شهيد منهم هو رفيقه بالاسم. يعرفهم ويعرف أهلهم ويعرف الفتيات اللواتي أحبين. ولأن الجماعة في قاموس سمير جعجع أكبر من الفرد، رفض الرحيل واختار طوعاً السجن واحتمال الاغتيال، ليبقى أميناً على شهادة رفاقه.

ولو لم يكن سمير جعجع كذلك، لما بقي حزب “القوات”. لو لم يكن مقداماً حيث لا يجرؤ الآخرون، وقائداً بالمثل لا بالقول، ورأس حربة مواجهة الاحتلال، لما بقي حزب “القوات” رأس حربة النضال. بقي الحزب لأن قائده اختار المواجهة الأصعب. وفي المحطات الأصعب يبرز المعدن الحقيقي للمناضلين. وليس في هذا القول تبجيلًا لسمير جعجع، لأن الرجل الذي قاتل في بيروت والشمال والجبل والجنوب والبقاع، لا يعرف سوى المواجهة. ليس في قاموس سمير جعجع مصطلحات السياسة اللبنانية التقليدية. وهذا ما يجعله غريباً عن نادي السياسيين العاديين. وهذا ما يجعله روبن هود السياسة، فيعيش المواجهة إلى حدها الأقصى. ومن يعيش كسمير جعجع، يتعب كثيراً ويرتاح قليلاً.

النقطة الثانية تتعلق بالمؤسسة ـ الحزب، فـ”القوات” التي حلها النظام السوري واعتقل قيادتها ونكل بها، واغتال قسماً كبيراً منها، كادت أن تنكسر أمام حجم المؤامرة. وهذا مصير هذه الجماعة عبر التاريخ. أن تبقى قلة قليلة تواجه أكثرية صامتة أو متواطئة. وخرج من داخل “القوات” من نكرها، ومن يريد أن يسلمها بثلاثين من الفضة. وبقيت “القوات” صامدة في وجدان رفاقها. ولفظ القواتيون كل من لا يشبههم ومن حاول جرهم إلى اصطفافات خارج مسارهم التاريخي.

ويعود الفضل في ذلك إلى ثلاثة لا بدّ من ذكرهم.

ستريدا جعجع التي أدركت أن “القوات” لن تموت، وأن سمير جعجع لم ينته، وأن “ما في شي مؤبد بهالدني”. وقررت، برفقة رفاق ما عرف بعدها بمجموعة “يسوع الملك”، أن تحافظ على “القوات” وتبقي على مسارها النضالي. قيل الكثير عن ستريدا، لكن الواقعة التاريخية المؤكدة هي أن امرأة في أول عمرها، متزوجة من حاكم المنطقة الشرقية ورجلها الأقوى، وجدت نفسها فجأة في صلب أكبر مؤامرة حيكت على المسيحيين في التاريخ الحديث. وكان ممكن لها، أن تسعى من موقعها إلى أخذ مسار الأمور إلى تسوية ترضي “الزوجة” فيها على حساب المؤسسة، إلا أنها، متسلحة بزيارة إلى سجن زوجها كل فترة، ومحاطة بمجموعة تؤمن بالقضية كما هي، اختارت “القوات” على حياتها الخاصة، ونجحت في أن تبقي البوصلة نحو سجن وزارة الدفاع. وستريدا ورفاقها التي واجهت من منزلها في يسوع الملك، حافظ الأسد ومن يمثله في لبنان والنظام الأمني اللبناني السوري، والتي واجهت التخوين والترهيب والخيانة، نجحت في أن تبقي “القوات” وفية لسمير جعجع، وتبقيها نقية من كل المتسلقين والخونة.

أما الفضل الثاني فيعود إلى رفاق سمير جعجع في العالم الذين حوّلوا نفيهم في عواصم العالم إلى “أمر مهمة”. لذا بدأوا التبشير في كل الدول حول قضية سمير جعجع و”القوات” وما يجري في لبنان. وبين إيلي برغيد وجوزف جبيلي والكثيرين في كل المدن، أصبح المنفى القواتي خلية عمل من أجل تحرير لبنان. ولما بقيت “القوات” لولا عمل هؤلاء الرجال الأقوياء في صمودهم.

والفضل الثالث يعود للقواتيين في لبنان. حين اختار معظم اللبنانيين أن يغمضوا أعينهم عمّا يجري في وزارة الدفاع، وعن الاعتقال والضرب والاعتداء الذي تعرضت له “القوات”، رفض القواتيون الخضوع. فهؤلاء الشباب الذين عرفوا طعم القذائف وهي تمطر عليهم، وصوت الرصاص يخترق أجسادهم، لم يهابوا بطش “عطية” وعنجر وجميل السيد. ولم ينجح النظام الأمني في الحصول من كل اعتقالاته على خيانة واحدة، على الرغم من كل التعذيب الذي تعرض له رفاقنا.

فكان صمود هؤلاء الرفاق دفعاً للحركة القواتية التي تجلت في عمل مصلحة الطلاب التي تحولت إلى المقاومة المباشرة. فتحولت ساحات بكركي وزيارة البطريرك وساحة 7 آب والجامعات والمعاهد والمدارس والشوارع، إلى مواجهة مباشرة بين المقاومة والاحتلال. وانتصرت المقاومة.

أما النقطة الثالثة تكمن في الأمثولة التي يجب أن نتذكرها. يوم شهدنا على خروج سمير جعجع من سجنه، وهو حدث انتظرناه كحلم لم نكن نعرف متى سيأتي، شعرنا بالقوة التي لا يمكن لشيء في العالم أن يغلبها. صحيح أن خيبات الأمل في السياسة كثيرة، لكن شاباً مثلي، انتظر 11 عاماً ليتحرر قائد لم يعرفه من السجن، ونجح في كسر أقوى ديكتاتوريات الشرق، بصمود يُذكر مثله في القصص، لا يمكن أن تقنعوه بأن التغيير مستحيل، أو أن الطريق وعرة وصعبة، ولا يمكن أن ندرك الاستسلام.

فقد فهمناها بشكل قاطع وبصوت أنطوانيت شاهين وبدماء فوزي الراسي وبأنين السجناء في نظام الأسد أنه “إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. ولا بدّ لليل أن ينجلي، ولا بدّ للقيد أن ينكسر”.

ومن كسر قيدكم على حرية قائد “القوات” بعد 11 عاماً، سيكسر قيدكم على لبنان، ولو بعد 111 عاماً.

والطريق أمامنا طويل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل