بطاركة الموارنة أم بطاركة لبنان؟

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1715

بطاركة الموارنة أم بطاركة لبنان؟

مجدُه مستحَقّ ولا حياد… عن الحقّ

قصة البطريركية المارونية منذ يوحنا مارون إلى بشارة الراعي لا تسعها عشرات المجلّدات ويعجز أي أرشيف عن احتوائها، بما تحفل به من بطولات وقداسة وشهادة، ويمكن لمن يرغب، أن يقلّب صفحاتها طويلاً. وما يهمّنا هو الإضاءة على دورها الوطني في الكثير من المفاصل وتماهي الكنيسة المارونية مع الكيان اللبناني، فضلاً عن ثابتة مفادها أن المسيحيّين في لبنان بحضورهم يمثّلون قدوة الحرية وعنوان التنوّع فيه، في ضوء اقتناعهم بالتعدّدية اللبنانيّة وبالشراكة المسيحيّة ـ الإسلاميّة الكاملة على قاعدة المساواة والعدالة بمعزل عن الأعداد والأرقام.

مع يوحنا مارون البطريرك الأول، كان لبنان مزيجًا من مسيحيّين بمذاهب عديدة ومتنافرة بل متناحرة أحياناً، فضلاً عن جماعاتٍ من المسلمين بدأت تنتشر في بعض المناطق بعد الفتح العربي.

على أن الموارنة بقيادة بطريركهم الأول أرسوا باكرًا مفهوم الوطن اللبناني، ليس كوطن للمسيحيّين، بل كمساحة حريّة تسع الجميع، وإلاّ لكانوا تماهوا مع الأمبراطوريّة البيزنطيّة وتخلّوا عن فرادتهم، أو سلّموا بالخلافة ومن بعدها حكم المماليك والعثمانيّين سواء بالتخلّي عن إيمانهم أو بالدخول إلى خدمتهم.

ومن هنا تمكّنوا بحدبٍ وعناية من بطاركتهم من إرساء فكرة الوطن اللبناني، لدرجةٍ كانت مساحة الجبل اللبناني تُقاس بمساحةِ الحريّة فيه، الأمر الذي شجّع جماعاتٍ من مختلف الطوائف، ولا سيّما من الأقلّيات، على الإنتقال إليه، فتكوّن باكرًا مفهوم الصيغة اللبنانيّة، التي استمرت طويلاً معتورة ومضطربة وملتبسة، لكنَّها تبلورت شيئاً فشيئاً مع مقاومة المماليك وبروز الإمارة بخاصة في ظل الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير.

ولعلَّ البطريرك أسطفان الدويهي أفضل من يمثّل هذا التوجّه، وهو من أعظم بطاركة الموارنة وأبرز مراجعهم في التأريخ وتثبيت الطقوس، بل إنه يُعتبر من ألمع المؤرِّخين العرب، والأهمّ أنه أحد روّاد النهضة المشرقيّة والعربيّة، التي كان لبنان حضنها الأول مع مصر.

فالبطريرك الدويهي كان علّامة، ولُقِّب بالملفان خلال وجوده في أوروبا، إنطلاقاً من مدرسة روما المارونيّة التي شكّلت مأثرة علميّة والتي كان أحد طلاَّبها المجلّين، فعقد صداقاتٍ كبيرة، وعاد إلى لبنان ليتنقّل في رعايا عديدة وخدم سنواتٍ في حلب، فجمع الخبرة في التعاطي شرقاً وغرباً مع المسيحيّين والمسلمين، ووظَّف هذا الغنى في خدمة لبنان وتعزيز هويّة الحريّة والتنوّع فيه. ولذا استحق أن يكون أحد الروّاد المبكّرين للنهضة في لبنان وديار العرب بكتاباته، ومنها قاموس سرياني عربي، كما عرف كيف يسامح آل حماده الذين تعرَّضوا له بالضرب في مقرِّه في قنوبين، عندما كانوا يحكمون جبَّة بشري، ومنع الفتنة برفض الثأر، عاملاً في الوقت عينه على مقاومة الظلم وإنهاض الرعية.

وهل أكثر دلالة على الوجه النهضوّي المتنوّع للبنان من مدرسة عين ورقة البطريركيّة التي سُمِّيت أُمّ المدارس في لبنان وسوريا، بعدما حوّلها البطريرك يوسف أسطفان من دير إلى مدرسة؟

وليسَ أدلَّ على إلتزام البطريركيّة المارونيّة بلبنان الوطن النموذج إلاّ حرصها على تسمية أشهر المجامع الكنسيّة المارونيّة بالمجمع اللبناني، وليس بالمجمع المسيحي والماروني أو البطريركي فحسب. وقاد المجمع الذي عُقد في دير سيدة اللويزة عام 1736 البطريرك يوسف ضرغام، وأبرز ما قرَّره إلزاميّة التعليم المجاني في خطوة رائدة وفريدة، وقد سبق بذلك الثورة الفرنسية.

وشيئاً فشيئاً عرفت البطريركيّة المارونيّة كيف تحتضن التطوُّر الفكري والإجتماعي لدى اللبنانيّين بتشجيع المبادرات الإنمائيّة وتعزيز لغة الحوار، على الرغم من النكسات المفتعلة وأخصّها مذابح العام 1860، وصولاً إلى تأييد صيغة المتصرفيّة مع الحفاظ على العلاقة الخاصة مع الباب العالي في موازاة العلاقات مع الدول الأوروبيّة وفي مقدمها فرنسا.

لكن تجربة المتصرفيّة على نجاحها، إنعكست هاجسًا لدى البطريرك الياس الحويّك نتيجة مآسي الحرب العالميّة الأولى وما تخلّلها من حصار وجوع ووقوع الجبل ضحيّة التجاذب التركي والأوروبي، فكان إصراره على استعادة الحدود التاريخيّة للبنان، على الرغم من نصائح فرنسيّة ورفض من بعض الشخصيات والمجموعات الإسلاميّة والمسيحيّة على السواء. لكن سيّد بكركي رأى في لبنان الكبير فرصة فريدة لنموذج الشراكة المسيحيّة ـ الإسلاميّة، على الرغم من التراجع النسبي للأكثريّة المسيحيّة.

واللافت أن البطريرك الحويّك حرص على التوصّل إلى دستور دولة مدنيّة، ورفض إعتبار الكنيسة ومؤسساتها جزءًا من الدولة، متمايزاً عن معظم القيادات الإسلاميّة التي عملت على ضمّ الإفتاء والقضاء الشرعي إلى صلب الدولة.

ولم يكن الإستقلال في العام 1943 تجربةً سهلة على البطريرك الماروني أنطون عريضة، نظرًا للخلاف المُستحكم حينها بين أبرز شخصيّتين مارونيّتين هما الشيخ بشارة الخوري والرئيس إميل إدة ومن ورائهما الكتلتان الدستوريّة والوطنيّة بتحالفاتهما العابرة للطوائف.

على أن البطريرك عريضة، كان أيضًا من رجال الإستقلال وأصرَّ عليه واصطدم أكثر من مرّة بسلطات الإنتداب الفرنسي وباللبنانيّين الرافضين للإنفصال عن «الأم الحنون»، واعترض على الظلامة بحق اللبنانيّين والسوريّين حتى نوديَ عليه في دمشق من المتظاهرين المسلمين بحبيب الله، لكنّه في الوقت عينه رفض أي مساس باستقلال لبنان أو تهديد له من خلال رفض النسخة الأولى لبروتوكول الإسكندريّة.

أما البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، فمثَّل علامةً فارقة، إذ لم يَنظر إلى المكاسب السياسيّة أو الوجاهة أو الإعتبارات الضيِّقة في مقارباته الوطنيّة، بل حافظ على هيبة بكركي في ظلِّ فورة العماد ميشال عون وحربيه الكارثيّتين، كما في ظلّ الوصاية السورية والوصاية الإيرانية ممثّلة بـ»حزب الله» وسلاحه، فجذّر بكركي في ثوابتها ولم يخضع لتهويل أو لإغراء، بل فضّل أحياناً العزلة وما يشبه حال الحصار فترات عدّة ليبقى على إيمانه بلبنان الواحد السيّد المتنوّع وبالميثاق والدستور والعدالة. لقد كان يمكنه أن يذهب ببساطة إلى دمشق وقد تعب الموفدون وتوالت الرسائل عبثاً ليزورها فوق سجاد أحمرٍ مفروشٍ بالورود، وكان جوابه الواضح «أذهب إليها مع شعبي»، بل إنه رفض بلباقة ملاقاة صديقه البابا يوحنا بولس الثاني لزيارتها.

وبخلفيّة وطنيّة، ومن دون أية إشارة تشتمُّ منها رائحة الطائفيّة والفئويّة، أطلق النداء الشهير لمجلس المطارنة الموارنة في أيلول 2000 منوِّهاً في الوقت عينه بتحرير الجنوب، وداعيًا إلى الإنسحاب السوري، علمًا بأن لقاء قرنة شهوان الذي رعاه، كان النواة الأساسيّة للقاء البريستول وتاليًا لحركة 14 آذار التي كرَّست في رأي كثيرين نهائيًا الخيار اللبناني للسُنّة واعترف جميع قادتها بنصرالله صفير بطريركاً للإستقلال الثاني.

ولا يمكن إغفال الصداقات الكبيرة التي عقدها البطريرك صفير مع المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد وما تخلّلها من تواصلٍ بعيدًا من الأضواء وعيون المخابرات السورية، عكس النزعة السياديّة لدى المفتي خالد وهي النزعة التي كلَّفته حياته. كما أن الشيخ محمد مهدي شمس الدين حفظ ودَّا وتقديرًا كبيرين للبطريرك صفير، ومن خلاله للشراكة المسيحيّة ـ الإسلاميّة، فترك وصيَّة تاريخيّة تكرِّس هذه الشراكة في بُعدها الوطني الذي يتخطّى معادلة الأكثرية والأقلية.

أما مع البطريك الراعي، فمواقفه تعبِّر عن نفسها في الوفاء لإرث الكبار الذين سبقوه، مشدِّدًا على التموضع الوطني لبكركي وعلى دورها المفصلي في الحفاظ على لبنان النموذج، من خلال طرح الحياد بما يعنيه بخلفيّته الميثاقيّة.

مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية لشؤون الرئاسة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل