
في ظل الأزمة الوجودية التي يعيشها لبنان بعدما تدهورت الأوضاع نتيجة السياسات الحاكمة الفاشلة، لم يبق إلا خشبة خلاص وحيدة قادرة على انتشال “رسالة” الاعتدال الأكبر في هذا الشرق من “جهنم”، والتي لجأ إليها الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، اليوم، في الفاتيكان للقاء قداسة البابا فرنسيس، وهي الزيارة التي تشكل بعدَين أساسيَّين، الأول معنوي والثاني سياسي.
وتؤكد مصادر مقربة من الفاتيكان أن الحريري تهمّه صورته مع البابا استكمالاً لجولته العربية على الصعيد الداخلي. وتشرح المصادر، في حديث لموقع “القوات” الإلكتروني، أنه في الشق المعنوي، يهم الحريري أن يضع “على عين” التيار الوطني الحر عموماً ورئيسه جبران باسيل خصوصاً، الذي يدعي بأنه الحريص والمؤتمن على صون حقوق المسيحيين، بأنه يزور أكبر مرجع مسيحي وهو الفاتيكان وسيلتقي البابا شخصياً”.
وتضيف المصادر بأن الفاتيكان لا يدخل في أروقة السياسة الداخلية اللبنانية على الرغم من أنه علم بكل التفاصيل كونه حريص على الاعتدال في لبنان الرسالة، بل يتحدث بالخطوط العريضة والمبادئ والتوازن الداخلي.
وتشدد المصادر على أن الفاتيكان يهمّه التفاهم الداخلي في لبنان، وهو على تواصل دائم ومباشر مع الدول الكبرى خصوصاً فرنسا بعد زيارة وزير خارجيتها جان إيف لو دريان له، إذ كان للبنان شق كبير من الحديث.
وتشير إلى أن الفاتيكان يواصل دعوة المجتمع الدولي لمساعدة لبنان، لكن الجواب يكون دائماً بأنه على المسؤولين اللبنانيين تشكيل حكومة والاتفاق على الحلول والإصلاحات أولاً لتأتي المساعدات ثانياً. وتؤكد المصادر أن أبواب الفاتيكان مفتوحة لكافة الأطراف ولا تميّز أحداً، قائلة، “ما حدا يستثمر زيارته للفاتيكان ليغلب الفريق الآخر”.
وتوضح أن لقاء الحريري للبابا ستكون مقتضبة جداً وسيكون فيها الأخير مستمعاً أكثر منه متكلّماً، على ان يكون اللقاء المطوّل مع معاوني البابا للدخول بالتفاصيل. والحريري “سيشكي همّه” للحبر الأعظم بأن العرقلة الحكومية ليست منه، بل من الطرف الآخر، وسيؤكد له أنه مع المناصفة ومشكلته مع باسيل سياسية فقط وليست مع المسيحيين على الإطلاق.
من جهته، يوضح الباحث السياسي الكاتب الياس الزغبي أن أهمية زيارة الحريري إلى الفاتيكان تكمن في بعدين أساسيين:
الأول: توقيتها على أثر الزيارة التاريخية لقداسة البابا إلى العراق وبعد الطرح التاريخي من البطريرك بشارة الراعي حول حياد لبنان.
والثاني: مضمون هذه الزيارة التي لن تقتصر على بحث أزمة الحكومة اللبنانية، بل تتعداه للبحث في مستقبل لبنان ووضعه تحت الرعاية الدولية والأمم المتحدة.
ويضيف الزغبي، في حديث لموقعنا، “بالنسبة إلى انعكاسات هذه الزيارة على الوضع السياسي اللبناني الداخلي فهي تؤكد انفتاح المسلمين اللبنانيين وخصوصاً السنّة على المرجعيات الدولية بينما هناك فريق مسيحي يؤدي بمواقفه السياسية إلى انغلاق لبنان وعزله عن محيطه الإسلامي وعن العالم وزجّه في محور تقوده إيران ضد العرب والمجتمع الدولي”.
ويشير إلى أن هذه الزيارة ستزيد من عزلة الثنائي (الضاحية ـ بعبدا) وتؤسس لإطلاق لبنان من سجنه عبر توحيد الجهود والمواقف الإسلامية المسيحية على غرار ما حصل العام 2005 وتحرير لبنان من احتلال النظام السوري.
ويتوافق كلام مصادر الفاتيكان مع الزغبي، الذي يعتبر أن “هذا لا يعني أن الفاتيكان سيكون طرفاً سياسياً يدعم فريقاً على حساب فريق آخر لأن مواقفه تقوم على المبادئ الإنسانية والتلاقي والتحاور بين الحضارات والأديان، لكن هذا الموقف المبدئي للفاتيكان لا يتعارض ابداً مع احتضانه لقضايا الحق العالمية وتحديداً قضية لبنان الذي يحتاج إلى حضانة الفاتيكان كي يخرج من مأزقه”.
وعن الموقف من الحياد الذي طرحه الراعي، يرى أنه “حتى الآن لم يعلن الفاتيكان موقفاً صريحاً في دعم حياد لبنان وعقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، لكنه يؤيد بصورة واضحة مواقف بكركي ويساندها في نزع الألغام الإقليمية والدولية كما يتواصل مع جميع المكونات اللبنانية لتأمين حالة التفاف حول مواقف بكركي، وهذا الامر سيتضح أكثر فأكثر في المرحلة المقبلة”.
ويشير إلى أن زيارة الحريري تشكل حلقة متقدمة في المسار العربي الإسلامي مع الفاتيكان منذ الوثيقة التاريخية الشهيرة مع الازهر الشريف والزيارة التاريخية لقداسة البابا إلى الإمارات، فهذا السياق المتقدم يشبه إلى حد كبير رسالة لبنان في محيطه والعالم، لذلك، يعلق اللبنانيون أملاً كبيراً على تقدم الحوار والتنسيق بين الرموز العربية والإسلامية وبين الفاتيكان.
