سوريا بعد عشرة أعوامٍ على الثورة

كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1715

سوريا بعد عشرة أعوامٍ على الثورة

الحل للطامعين والأسد الى الحاضنة العربية

عشرة أعوامٍ من عمر الثورة في سوريا، ولا تزال باكورة الأمويين مفكّكة، وشعبها مشرّد، وقلب «العروبة النابض»، كما يُسمّونها غلاة العروبة السوريين، ينبض بالفارسيّة، خصم العروبة التاريخي. ماذا حصل؟ أين أصبحت الثورة؟ وما هو الوضع في سوريا اليوم؟

ثار الشعب السوري، في الخامس عشر من آذار عام 2011، مستلهماً الثورات العربية التي أطاحت برؤساء تونس وليبيا ومصر. لكن لسوريا ديمغرافيتها الخاصة، والحكم فيها أقلّوي وظالم. بينما أنظمة البلدان العربية الثلاثة، وإن كانت أحياناً ظالمة، إلاّ أنّ حكَّامها غير مصابين بعقدة الأقلّوية وهستيريا الخوف التي تلازم عادة الأقلّيات المستبدّة. فكانت ردّات فعل نظامها أكثر ظلماً وقمعاً وخارجة عن المألوف العربي.

كان شعار الثوّار السوريين الذي اعتُبِر مهدداً للنظام، «سلمية سلمية»، فواجهها النظام بالقمع الدَّموي المتصاعد، من دون أن ينجح في إسكات صوت الثوَّار. وتشكّلت معارضة للنظام في الخارج، واعدة بمستقبلٍ ديموقراطي، وتلقَّت دعماً من بعض الدول العربية، فأصبحت المعارضة صورةً مصغَّرة عن الدول العربية التي تموِّلُها أو تدعمها، بخلافاتها ومناكفاتها ومنافساتها المبكّرة على وراثة نظام الأسد، وكأن هذا الأخير بات على قاب قوسين من السقوط، فكانت كلّ منها تجهد لاقتطاع القسم الأكبر من «الكاتو» السوري المرتقب قبل سقوطه. وهكذا فقدت المعارضة السوريّة المفكَّكة وهجها وقدرتها  على المواجهة والإستمرار، كما فقدت لاحقاً دعم الدول العربية وغير العربية، فتشرذمت وتحلَّلت واندثرت. لم يهدأ الشعب السوري، لأنه قرَّر التخلُّص من المعاناة التي عاشها طيلة نصف قرن، واقتصرت المعارضة للنظام على الثوّار العاملين فوق الأرض السورية.

تجاه الإصرار الشعبي، صعَّد النظام أساليبه القمعية، فأطلق سراح قادة «داعش» من سجونه ليمارسوا الإرهاب، كما شجَّع منظَّمات أصوليّة متطرّفة دينياً، لاستباحة ساحات المعارضة السوريّة. وهكذا نجح النظام في تغيير صورة المعارضة، من «سلمية سلمية» إصلاحيّة نحو الديمقراطيّة إلى منظَّمات إرهابية هدفها إسقاط النظام «العلماني» في دمشق، وإقامة نظام ديني أصوليٍّ متطرّف بديل، كما عملَ على تصدير هذه المنظَّمات إلى خارج سوريا ومن بينها لبنان.

لم يكتفِ النظام بممارسة القمع الكلاسيكي، إنما طوَّر أساليب قمعه باستخدام براميل المتفجرات التي أسقطها من الجو على المدنيين الآمنين. فتفكّكت الدولة، وتشرذمت إلى مناطق نفوذ: للأكراد في الشمال الشرقي، إدلب على حدود تركيا، درعا في الجنوب، الصحراء في الجنوب الشرقي، واكتفى النظام بالسيطرة على العاصمة دمشق والواجهة البحريّة لسوريا التي سلَّمها لاحقاً «للرفيق» بوتين، ما أدّى إلى نزوح داخلي على أساس مذهبي، وتشريد قسم كبير من السوريين إلى خارج سوريا في الأردن وتركيا ولبنان، وتهجير جماعي قسري إلى البلدان العربيّة والأوروبيّة، ليتناقص بشكلٍ خطير عدد المواطنين السوريين المحافظين على أماكن سكنهم في الداخل السوري. وقد أراد الأسد من ذلك كلّه إعادة توزيع الديمغرافيا السورية، وتهجير بعضها لصالح فئته الحاكمة وحلفائه، بحيث يسهل عليه بعدها تشديد القبضة على سوريا وتثبيتها في خطّ حليفه المناقض لتاريخها القومي الطويل.

وعلى الرغم من كلّ هذه التدابير الصارمة والقمعيّة، لم ينجح النظام في إخماد روح الثورة لدى الشعب السوري، فاستنجد بحليفيه الإيراني و»حزب الله» اللبناني. ومع ذلك لم يتمكن من استعادة السيطرة على سوريا، لا بل بات حكمه مهدّداً فاستنجد بحليفه الروسي، الذي وجد فرصته التاريخية في الإمساك بالواجهة البحرية السوريّة على البحر المتوسط. وهكذا ضاعت السيادة السوريّة، وبات يتقاسمها الروس في الدرجة الأولى والأهم، الإيراني، التركي، الكردي، «حزب الله»، والأميركي في الصحراء الجنوبية، وتحوّلت سوريا إلى قضيَّة إقليميّة ودوليّة، تتولّى إدارتها القوى التي تحتل ساحاتها، بينما حلُّ قضيتها بات منوطاً بروسيا وتركيا وإيران، الدول الثلاث التي تجتمع من وقت لآخر، بغياب الأسد، لإيجاد حلٍّ للقضية السوريّة، ولكن من دون جدوى لسببين:

أولاً: أن كلًّا من هذه الدول لها أطماعُها الخاصّة في سوريا على حساب الآخرين.

وثانيًا: كون أنَّ حلّ القضيّة السوريّة يتضمَّن إعادة السوريين إلى بلدهم، وذلك يتطلّب موافقة الأسد (الأمر المشكوك به حتى الآن)، وثانياً وجوب وفرة أموال طائلة خارجيّة، وهذه الدول عاجزة عن توفير هذه الأموال.

في المقابل، يعاني ما تبقّى من الشعب السوري داخل سوريا من ظلمين: القمع الذي استفحل بعد انطلاق الثورة، وظلم الفقر المدقع الذي وصل إليه الشعب السوري. فسوريا اليوم محاصرة وتعاني من العقوبات (ومنها «قيصر») التي فرضتها عليها الولايات المتحدة الأميركية، بحيث أصبح لبنان متنفّسها الوحيد عبر الحدود البريّة ومرفأي بيروت وطرابلس، لكن الأخطر من ذلك تحوُّل لبنان إلى مصرفها الخلفي، لتستنفد أموال البنك المركزي اللبناني، الذي يدعم، على أساس، السلع اللبنانية لصالح اللبنانيين، فيذهب قسم كبير منها إلى الداخل السوري، وأصبح البنك المركزي اللبناني مصرفاً مركزيَّاً لسوريا ولبنان، والإقتصاد اللبناني، المنهك أصلاً، إقتصاداً لسوريا ولبنان، بعد أن فقدت الليرة السورية 99 في المئة من قيمتها (قبل الثورة كان سعر الدولار الرسمي 30 ليرة سوريّة وأصبح اليوم يساوي 4000 ليرة سوريّة).

بالإضافة إلى الصعوبات الماليّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة التي تعاني منها سوريا، فقد تحوّلت أرضها إلى ساحة مواجهة عسكريّة يوميّة بين إسرائيل من جهة وقوى إيرانية وحلفائها من جهة أخرى، وسط تنسيق عسكري بين تل أبيب وموسكو. ويُبلِّغ سلاح الجو الإسرائيلي القيادة الروسية في سوريا، قبل بضع دقائق، عن كلّ مهمة جويّة ينفذها فوق الأرض السورية ضد ميليشيات إيران وحلفائها. والإتفاق بين الجانبين يقضي بألاّ يستخدم سلاح الجو الإسرائيلي الأجواء اللبنانية الواقعة بين خط جبيل – بعلبك جنوباً والحدود اللبنانية الشمالية لتفادي وقوع حوادث غير متوقعة بين الجيشين الإسرائيلي والروسي. وهكذا تحوّلت السَّاحة السوريّة إلى حقل رماية عسكري تضرب فيه إسرائيل قوى إيرانية و»حزب الله» وبمباركة روسيّة. إنه قمة التخلّي عن أرض سوريا لصالح العدو والحليف.

القادمون من سوريا يروون حكايات مؤلمة وموجعة عما يعانيه الشعب السوري داخل سوريا، من فقدان معظم المقوّمات الأساسية للحياة في الكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية…. بينما لا يزال النظام متحصِّناً في قصر المهاجرين، تاركاً أمر حلِّ القضيّة السوريّة للطامعين أصلاً في سوريا (روسيا، إيران، وتركيا). يُدرك الأسد أن لا إنقاذ لسوريا إلاّ بالعودة إلى الحاضنة العربية، وقد سرَّب مؤخراً في القنوات الدبلوماسية، أنه مستعدّ للعودة إلى الحاضنة العربية، والتخلّي عن التحالف مع إيران بشرطين: الأول ضمان إستمراره في السلطة مع تنفيذ بعض الإصلاحات، والثاني دعم سوريا بالأموال العربية اللازمة لإعادة إعمارها من جديد، يشاركه في هذه النظرة حليفه الروسي، الذي يتوجّس من الحضور الإيراني في سوريا، بينما الحضور العربي فيها، والمقتصر على الدعم المالي، لا يشكّل أي خطر على الحضور الوازن لروسيا في دمشق. هذا التحوُّل أظهره النشاط الدبلوماسي الملحوظ لروسيا مؤخراً لدى دول الخليج واستقبالات موسكو التي تنشط لإعادة سوريا إلى جغرافيتها القوميّة. ويبدو أن طلب الأسد لاقى آذاناً صاغية لدى بعض دول الخليج  التي اتخذت مواقف ترحيبيّة بعودة سوريا إلى قلبها النابض، الجامعة العربية، بعد أربعة عقود من الجفاء.

* نائب في البرلمان اللبناني

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل