اللبنانيون بعد الأزمة وفتح البلد

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1715

اللبنانيون بعد الأزمة وفتح البلد

كيف يصمدون وماذا سيفعل أرباب القطاعات؟

يمكن القول بجزم إن اللبناني ما مرّ بمثل هذه الأوضاع المعيشية خلال مئة عام على تأسيس الدولة. حتى في أقسى سنوات الحرب الأهلية بقيت مناطق بعيدة نسبياً عن الأزمات. وكان اللبنانيون أَمِلوا الأسبوع الماضي بأن تُفضي حركة اللقاءات إلى تشكيل حكومة فيتنفّسون الصعداء، وعَكَسَ التراجع الكبير للدولار هذا الجو. لكن الفرحة لم تتمّ، ومحا الإثنين ما كتبه الخميس، فعادوا إلى قنوطٍ يكاد لا يبدِّده رجاء. عادوا إلى السوبرماركت يبحثون على رفوفه الموحشة عن قنينة زيت أو كيس حليب مدعوم يحرسونه فلا يسطو عليه باحث آخر عن شيء مفقود. ما حَسبَ اللبنانيون حقّاً أنهم سيصلون يوماً إلى هذه الحال، وهم أبناء الحياة وعشّاق الترف والضيافة. كانت الملاهي مرتع جودهم فصارت السوبرماركت حلبة قتالهم وأخبار التندّر بهم تطوف العالم!

أمّا وقد بلغ التشنّج السياسي حدّاً مُنذِراً بمزيد من السّوء، فلم يبقَ أمام اللبناني إلا تدبّر أمر يومه والدعاء بأن يكون الفرج غير بعيد. إذ بعد أكثر من سنة على إقفالات متقطّعة بسبب جائحة كورونا التي كان لها الأثر السلبي السيّئ حتى على اقتصادات كبرى، فكيف باقتصاد متهالك كالإقتصاد اللبناني؟ وهذا ما أدى إلى إقفال مؤسسات وانسحاب متاجر عالمية من السوق وتراجع الدخل، وما رفع من نسبة البطالة ودفع مزيداً من العائلات إلى ما دون خط الفقر. كل هذا وسط جوّ من التعطيل والهراء السياسي والعبث بمصالح الناس ومصير البلد. فالحكومة القائمة عاجزة وفي حال تصريف أعمال، والحكومة المنتظرة بعيدة المنال، والإدارات متهالكة، ولا من يهتم لوجع الناس المتروكين لمصيرهم البائس.

 

توالي السقوط والقنوط

يرتبط الوضع المعيشي في لبنان بشكل وثيق بالوضع السياسي. طبعاً هو كذلك في كل العالم، لكن بلداً كلبنان يتقلّب في الهاوية لا يملك ترف النكد السياسي ولا فرص النهوض، من دون توفير كل مقوّماته وبسرعة. ولكن كيف يتم ذلك في حين أن معظم المواطنين بلا مداخيل وعصا رفع الدعم الغليظة تقترب من الرؤوس؟ فمع دخول لبنان مرحلة الرفع التدريجي للدعم الذي تُدرس خطّته في مجلس النواب، أعلن وزير الشؤون الإجتماعية وضع هيكليته، بالتنسيق مع البنك الدولي، لتنفيذ مشروع شبكة الأمان الإجتماعي، في خطوة لمساعدة الأسر الأكثر فقراً وتجنيبها أثر رفع الدعم. لكن حتى هذه المبادرة لا يعوَّل كثيراً عليها إذ لا معايير سليمة لاختيار الأسر الأكثر فقراً في ظلّ غياب «داتا» دقيقة. وفي ظل تسارع الإنهيار وبطء المعالجات بحيث تصبح عند تنفيذها غير ذات جدوى في مساعدة من هم في أشد الحاجة إلى مساعدة.

ممثّل وزارة الشؤون الإجتماعية في المفاوضات مع البنك الدولي، عاصم أبي علي، يقول إنّ «هذا المشروع سيُنفَّذ وفق بطاقات مسبوقة الدفع، بحيث يمكن الشخص سحبُ المال نقداً من الصراف الآلي. وتبلغ قيمة السحب 200 ألف ليرة مبلغاً شهرياً ثابتاً لكلّ عائلة، و100 ألف ليرة لكلّ فردٍ من أفرادها حتى حدود الستة أفراد، أي إنّ مجمل الاستفادة هو 800 ألف ليرة كحدّ أقصى للعائلة الواحدة، وكلّ أسرة مستحِقّة يحقّ لها الإستفادة لمدة سنة كاملة من هذا المشروع». لكن السؤال هل سيبقى من جدوى لهذه المساعدة، وقد عاود الدولار صعوده من غير ضوابط أو سقوف بعد انهيار سقف التشكيل الحكومي على رؤوس اللبنانيين؟

وفي السياق، ذكرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «فاو» أن خطر تدهور الأمن الغذائي يقترب من أبواب اللبنانيين. وردُّ هذا الخطر، كما هو معروف، يلزمه خطة علمية وكفاءة في التنفيذ ونزاهة في إدارة العملية برمّتها. وكل هذا غير متوفر، أو أقله غير معتمد في هذه المحنة القاسية في تاريخ لبنان.

فالمطروح بمواجهةِ حتميةِ رفع الدعم، إعداد خطة لمساعدة العائلات الأقل فقراً لأنها لن تكون قادرة بغياب الدعم على تأمين أبسط متطلباتها. لكن تأخُّر إعداد الخطة وبالتالي تأخُّر تطبيقها سيجعل هذه العائلات في عين العاصفة، إذ ان أسعار السلع الأساسية بدأت تُحلّق، من المواد الغذائية إلى المحروقات إلى الأدوات المنزلية وصيانة السيارات وغيرها… وبعد الأزمة السياسية والتجاذب والتكاذب، تنتظر اللبنانيين أيامٌ عجاف سلبهم المسؤولون حلاوتها بعدما سلبوهم جنى العمر وفرص الرفاه.

 

أرقام صادمة ومؤشرات

سجّلت المؤشرات الإقتصادية أرقماً صادمة في لبنان، اعتُبِرت نذيراً مرعباً لمستقبل مجهول. فلبنان يعيش تداعيات أزمة إقتصادية متمادية استنزفت طاقات الشعب وقدراته ومدخراته.ومن هذه الأرقام-المؤشرات ما فقدته الليرة البالغة نسبتهنحو 90 في المئة من قيمتها منذ بدء الأزمة الاقتصادية. إذ ان سعر الصرف الرسمي ما زال مثبتاً عند 1507 ليرات مقابل الدولار، فيما تخطى في منتصف آذار عتبة الـ 15 ألفاً في السوق السوداء. وهناك 55 في المئة من اللبنانيين باتوا تحت خطر الفقر، ويعيشون بأقل من 4 دولارات في اليوم. وهذا ما رفع نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع إلى 23 في المئة.

ففي نهاية العام 2020، بلغ معدل التضخم السنوي 145,8 في المئة وفق إحصاءات رسمية. وارتفع سعر ربطة الخبز بنسبة 91,5 في المئة منذ أيار 2020، جراء تغييرٍ متتالٍ للسعر وإنقاص الوزن. ومثله، تجاوز معدل التضخّم في أسعار السلع الغذائية عتبة الـ 400 في المئة. وازداد ثمن سلّة غذائية تتضمن بشكل رئيسي الأرز والبرغل والمعكرونة والزيت 3 أضعاف تقريباً منذ تشرين الأول 2019.أما سعر اللحوم فارتفع بنسبة 110 في المئة خلال عام، مقابل 65 في المئة للدجاج، وفق البنك الدولي.

هذا التهاوي في القدرة الشرائية وتدني سعر العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي أفقد الرواتب قيمتها. ففي صيف العام 2019، كان متوسط راتب الموظف 950 ألف ليرة لبنانية، بحسب إدارة الإحصاء المركزي، أي ما يوازي وفق سعر الصرف الرسمي، 627 دولاراً. أما اليوم وعلى وقع تدهور الليرة، فقد بات يعادل أقل من 60 دولاراً في السوق السوداء. وبات الحد الأدنى للأجور يعادل نحو 45 دولاراً. في حين دفعت البطالة المزيد من اليد العاملة إلى خارج السوق. فبلغ معدل البطالة نهاية العام 2020 نحو 39,5 في المئة، وفق دراسة أجراها البنك الدولي وبرنامج الأغذية. فانخفضت الوظائف بدوام كامل في قطاع البناء على سبيل المثال بنسبة 40 في المئة، وشهد قطاع الفنادق والمطاعم تراجعاً بنسبة 31 في المئة.

 

«المسيرة» في الأسواق

يؤكد هذه المعطيات تقريرٌ للجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا»، نبّه إلى أنه «قد يتعذّر قريباً على نصف سكان لبنان الوصول إلى احتياجاتهم الغذائية الأساسية». وأرجع التقرير ما توصّل إليه إلى اعتماد لبنان بشدة على الواردات الغذائية لتأمين حاجات سكانه. كما ساهمت عوامل أخرى في ذلك مثل الإنفجار الهائل الذي دمّر جزءاً كبيراً من مرفأ بيروت، المنفذ الرئيسي لدخول البضائع إلى البلد، وانهيار قيمة العملة الوطنية بمقدار 78 في المئة، وتدابير الإقفال التي اتُخذت لاحتواء جائحة كورونا، والارتفاع الحاد في معدلات الفقر والبطالة.

وفي جولة لـ»المسيرة» على بعض القطاعات واستطلاع وضعها الحالي والمرتقب بعد تخفيف الإقفال وعودة الحركة إلى السوق، يتبين كم سيكشف الآتي من الأيام من صعوبات ونتائج صادمة. فعدد غير قليل من المطاعم يفكّر أصحابها في عدم فتح أبوابها من جديد، أقله خلال الأشهر المقبلة الفاصلة عن موسم الصيف، ريثما يكون قد تلمّس اتجاه الأمور وحدّد خياراته. أصحاب الفنادق هم بدورهم يقولون إنهم يصارعون بكل الوسائل من أجل البقاء وتخطّي هذه الفترة الصعبة، معتبرين أن الإستسلام ليس خياراً سهلاً. «لكن هذا لا يعني أننا قادرون على الإستمرار إلى أجل بعيد في حال تواصُلِ التردي وغياب المعالجات». أما المحال التجارية، فيقول أصحابها إنهم في زمن مضى كانوا ينتظرون شهر التسوق في شباط لتنشيط المبيعات، وأعياد الشعانين والفصح التي تُشكّل لهم ذروة الموسم. أما حالياً فلا يرتقبون إقبالاً بعد فتح البلد، لأسباب عديدة أبرزها: «إرتفاع أسعار البضائع المقوّمة بالدولار، وتراجع القدرة الشرائية عند اللبنانيين، وتحوّل اهتماماتهم إلى ضروريات أكثر إلحاحاً، والجو النفسي الهابط بظلِّه على الناس، ما يَحُول دون رغبة عالية بالتسوق كما كان يحصل في فترات وسنوات العز السابقة».

الأسوأ في الأمر، ألّا معالجات في الأفق تطمئن اللبنانيين إلى مستقبلهم ومعيشتهم. وأنه في حين تتهاوى كل مقومات الإستمرار وبوادر النهوض، يستمر المسؤولون الرسميون في تجاهل تام لهذا الواقع ولاستدراك نفاذ ما تبقى من أوكسجين مانع للإختناق.

وفي الأثناء، تستمر القطاعات الإقتصادية في النزاع والتهاوي، ويستمر اللبنانيون في التدافع والتضارب على سلعة مدعومة، وفي رفض تجرّع الذل الذي تُرغِمُهم الدولة على تجرّعه وهم صاغرون.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل