الصّليب المشطوب سِفرُ الخلاص

 

في لبنانَ شرائحُ بانوراميّةُ التوجُّه، بعضُها محكومٌ بنظامِ المِلَل، وبعضُها متوغِّلٌ في معتقدِ الحضارةِ، ولكنْ، من دونِ أن يتنكَّرَ لأصلِه. من هنا، كان التّعايشُ، بل التّساكنُ، محكوماً بقانونِ طوارئ، يحاولُ إخمادَ نارِ العدائيّة، بالرَّغمِ من كَونِهِ على تماسٍ مترجرِجٍ مع تراكماتِ التعصّبِ، والفوقيّة، والعدديّة. لكنّ ذلك لم يمنعْ زيتَ التّصادمِ من أن يطفوَ كمؤشِّرٍ بارزٍ لتفاقُمِ مشكلةِ التناقضاتِ، ولتراجُعِ لهجةِ الإندماجِ والإستيعاب.

المسيحيّونَ في لبنان، عانوا، خلالَ تاريخِهم، من ممارساتٍ قمعيّةٍ، إنْ من جانبِ الأغلبيّاتِ البلديّةِ المشحونةِ طائفيّاً، وإنْ من أغرابٍ فرضَتهم ظروفٌ مشبوهة، وبتآمرٍ مشتَرَكٍ بين الخارجِ وبعضِ الداخل. وقد عملَ ابناءُ البلدِ العازِفونَ على الوترِ المذهبيّ، كما المُنتدِبون، على إعادةِ عقاربِ الزّمنِ الى عصورِ الظّلام، بالأصوليّةِ، والرجعيّةِ، والتطرّفِ، ونَبذِ منظومةِ حقوقِ الإنسان، ما انعكسَ، على المسيحيّين، خطَراً داهِماً طالَ مصيرَهم ووجودَهم.

أمامَ هذه الإنتهاكاتِ، بدَت محاولةُ الدّمجِ التنوّعيّ هشَّةً، رخوةً، فتعمَّقَ التّمييز، واستمرَّت العنصريّةُ، وتدخَّلَ الخارجُ القريبُ، من الجنوبِ، ومن الشَّرق، إنْ مُستبيحاً، أو وَصِيّاً بالفَرضِ أو بالقُدسيّة، ليتسلّطَ، فيستقوي بهِ بعضُ الدّاخلِ، على حسابِ ما تبقّى من يدٍ ممدودةٍ للتلاقي. فمؤامرةُ استبدالِ وطنٍ بوطن، وإلغاءُ الكيانِ بحجّةِ أنّه خطأٌ جغرافيٌّ، لم تمرَّ رياحُهما كما تشتهي سُفُنُ غازِلي التآمرِ والطَّمع، فالمسيحيّونَ رفضوا أن يكسرَ جباهَهم الذلُّ، وأن يكتبوا الرسائلَ من المنفى وهم يتمتمونَ مراثيَ الحنين، وأَبَوا أن يذبلوا أمامَ وكالاتِ الغَوث. لقد فضَّلوا الموتَ، واقِفين، وهم يعلمونَ أنّ بقاءَهم شلّالُ أسلاك، ومواسمُ أَلغام، لكنّهم كانوا يصدّقون، دائماً، أنّ اليومَ الثالثَ موجود.

لقد افتدى المسيحيّونَ لبنانَ، بآلافِ الشّهداء، وهذا أَثمنُ ما يمكنُ أن يدفعَه شعبٌ من أجلِ هدفٍ سامٍ، هو دَحرُ مخطّطاتِ التّذويب، وحشرِ لبنانَ في قوقعةٍ عنصريّةٍ ثيوقراطيّةٍ استُقدِمَت من عهودِ الإنحطاط، حتى لا يبقى في الشّرقِ للكرامةِ الإنسانيّةِ مَوطِئ. وقاوموا حركةَ تفريغِ لبنانَ منهم، بروحٍ جهاديّةٍ إلزاميّةٍ من أجلِ البقاء، وكان الصّليبُ، دائماً، رمزَ صمودِهم، وضمانَ استمراريّتِهم، وعقيدةَ حياتِهم.

الصّليبُ، بالنسبةِ للمسيحيّينَ الأَقحاح، كُوَّةُ العبورِ الى الله، وسُلَّمُ قِيَمِ الوجودِ الإنسانيّ. لقد وقّعَ هؤلاءِ الأَقحاحُ، مع النّضالِ، عقداً صيغَت حروفُه بالدمّ، علَّ الباقينَ من إخوانِهم بالصّليب، يعزفونَ عن أزمنةِ الجُحودِ والصَّدأ، فلا تستمرُّ مقاييسُهم مقلوبةً، ومفاهيمُهم ممسوخة. لكنّ عصرَ الغربةِ عن الرُّشدِ، لمّا يزلْ سارياً في زمانِ هؤلاء، ومحتوى التلوّثِ بالمناخِ الزَّحفِيِّ للوصولِ ولو على جثّةِ الكرامة، لا يزالُ ينخرُ في انحطاطِ عزَّتِهم. هؤلاءِ الدجّالونَ المُتقَمِّصونَ الأَلقاب، إعتادوا على أن يُنَوَّموا بشعاراتٍ مُلَفَّقَة، وأن يُفَخَّخوا بوعودٍ صُوَريّة، ليتقِنوا التملّقَ ووضعيّةَ الإنبطاح. وهكذا، يبقَون مُرتَهَنين خانِعين، وإصطناعيّين يُدارون بآلاتِ التحكّمِ العابثةِ بعقولِهم وكرامتِهم، يكرّرون، بطريقةٍ غرائزيّةٍ، التّافِهَ والمُسِفَّ، مُقَدِّمين أنفسَهم منبراً مجانيّاً لِوَرَثَةِ الشياطين.

أمّا الصّليبُ المَشطوب، فهو التزامٌ بِدَورٍ طليعيٍّ ثابتٍ لا يتغيّرُ في مسيرتِهِ المُقاوِمَة، غيرَ عابِئٍ بالتّهويلِ، والتّهديدِ، حتى ولو كانت رحلةُ التزامِهِ تنتهي في التّرابِ، أو تمرُّ في شبهِ قَبر. فجُعبةُ هذا الصّليبِ أحدثَت هزَّةً نوعيّةً أيقظَتِ الغافِلينَ عمّا نُسِجَ، ويُنسَجُ، لهذا الوطن، وقضَّت مضاجعَ الذين حاولوا، ويحاولون، شنَّ عُنفٍ مَسعورٍ مُتَوَحِّشٍ على مكوِّناتِ وجودِنا، وتصدَّت بِحَزمٍ لازِمٍ لِمَن تآمروا لرَميِنا رُكاماً في كهوفِ الموت.

هذا الصّليبُ المشطوبُ، وحدَه، منعَ من أن نُصبحَ دمعةً يصفعُها اليأسُ وهي تترجّى، تَعبرَنا أنيابُ الأَغلالِ الباردة، ويصبحَ حزنُنا جريئاً يلحسُ من رمادِ كرامتِنا. فلولا هذا المَشطوبُ بالخطِّ الأحمر، والخطُّ الأحمرُ غالِبٌ، ربّما، لأنه مَبذورٌ في طينتِنا، لَجُرِّعْنا قَلَقاً، وتعذيباً بربريّاً، وتهجيراً الى الشَّتات، وإبادةً جَماعيّة، أو حُوِّلنا، على الأقلّ، رعايا هزيلةً، طَيِّعةً، مغلوبةً على أمرِها. بهِ، مشطوباً، عَصَينا على التّدجين، وأجهضنا فتنةً تَطحنُنا، وتخَندَقنا وراءَ متاريسَ لم نتوعَّك من أداءِ واجبِ صمودِها. بهِ مشطوباً، أثبَتنا أنّنا لسنا خُرافة، وأنّنا رِجالُ نضالٍ صافٍ مهما شَظّى النّضالُ أجسادَنا. بهِ مشطوباً، قضَينا على نسلِ الأبالسةِ مُعاشِري الظّلمةِ بعواطفَ نَجِسَة، ومُنجِبي الأرواحِ الشرّيرةِ التي استوطنَها الخبثُ والحقد. بهِ مشطوباً، دامَ لبنانُ خالدَ البقاء.

فيا أيّها البائِعون كرامتَكم سلعةً رخيصةً في سوقِ النّخاسة، إِعلَموا أنّه بالصليبِ المشطوبِ، وحدَه، يُسَطَّرُ سِفرُ خلاصِ لبنان…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل