مقياس اغتيال الوطن… بالكَذِب

كما أنّ المعرفةَ سبيلٌ لإِنقاذِ العقلِ من الخِذلانِ بالجَهل، هكذا الوجدانُ، سَليلُ فنِّ الأخلاق، تدخلُ في هندستِهِ أُسُسُ القِيَم لتجعلَهُ مُنبَسَطاً لحضورِ الحقيقة، فتَقصرُ المسافةُ بينَ العقلِ والتّصديق.

الكثيرون، عندَنا، قيمةٌ مُضافةٌ في تركيبِ التّدجيل، تتسرَّبُ شَعوذاتُهم إليه قبلَ أن يخطرَ في بالِهِ أنّه مُستَهدَف، لتُعدِّلَ في وضعِ القُطَعِ فوقَ رقعتِه. من هنا، كان الصّدقُ، معهم، مَنقوصَ الحُظوظ، فانقضى عمرُهُ من دونِ أن يَحظى بقِسطٍ من الوجود، فحَملَقَ بطالَعِهِ العاثِر، وانتحر.

هؤلاء ورمَت أكياسُهم، زوراً، فورمَت أُنوفُهم، وفاضَت أَلقابُهم، تَكَسُّباً، ففاضَت دسائسُهم، وزُوِّرَت أسماؤُهم، حَراماً، فزُوِّرَت قيمتُهم. هؤلاءِ، لم يَسْرِ حِسُّ الكرامةِ معهم، على مسرحِ الوطنيّة، مسرى السّيفِ في مسالِكِ الحقّ، لكنّه كان كصورةٍ صامتةٍ على جِدار، خامِداً إلّا من سوءِ الطِّباعِ، وشَرِّ الخيانة. وكأنّهم لم يعرفوا أنّ الحسَّ الوطنيَّ هو أبهى نتاجٍ في طَبعةِ العلاقةِ بين المواطنِ وأرضِه، فكان، معهم، مهمَّةً شاقّة، ربّما لأنّه أُبقِيَ، في نفوسِهم، فكرةً يَحوطُها اللَّبس، فاعتراها الضّعفُ والإِلتواءُ، وصارَت هامشاً.

لقد ظهرَ دَجَلُ المُدَّعينَ بالصِّدقِ ظهوراً باهِراً، فكان الصّدقُ، معهم، عاقِراً. من هنا، ينبغي وقايةُ ذاكرةِ النّاسِ من التَلَوّثِ بأباطيلَ مقصودةٍ، وبمزاعمَ خياليّةٍ لا تثبتُ في الزّمن، هي أقربُ الى الخُرافةِ والأساطيرِ منها الى نصيبِ الحقائق. لقد استلَّ هؤلاءِ همَّتَهم، واستقدموا كلَّ ما طالَتهُ أيديهم من همجيّةِ التَّخريفِ للإنقضاضِ على مَن انصهرَ في دمِهم عشقُ البطولة، وكانَ بينهم وبينَ نُبلِ النّضالِ أَواصِرُ قُربى. وكان مطمعُ الدجّالينَ ضَخَّ نظامِ أكاذيبِهم ومهاتراتِهم لتشويهِ تاريخٍ هو تحفةٌ كاملةٌ في مُدَرَّجاتِ موسيقى الدّفاعِ عن الوطن، خطَّتها شهادةٌ ما وجدَت نفسَها إلّا مُستَزيدة.

كان لهؤلاءِ المَزهُوّينَ بأضاليلِهم، اليَدُ الطّولى في اغتيالِ الوطن، وفي الفَتكِ برسالةِ لبنانَ الى الدّنيا، قريبِها وبَعيدِها. ومَشَوا أشواطاً في قطعِ الصّلةِ بينَ البلدِ والعافية، فأدخلوا النّاسَ في خَوفٍ قاتِل، وأضرموا في قلوبِهم اضطراباً قَلِقاً، ونقلوهم الى حالٍ الذَّوَبانيّةِ وهي حيثيّةٌ ملتصقةٌ بحتميّةِ الوجود. لقد شوَّهَ هؤلاءِ تاريخَ لبنانَ الحضاريّ، فكانوا دليلاً للآثارِ الإنحطاطيّةِ التي عزلَت هويّةَ الوطنِ عن أَلَقِ الحياة، وأقحمَتهُ في أَملاكِ الأَبالِسَة.

إذا كان الولاءُ مِعيارَ تَصنيفِ المُنتَمين، فالفارقُ عميقٌ بين مَنْ شاقَهُ الوطنُ مُصَوِّباً على وثبةٍ طليعيّةٍ صوبَ الرقيِّ والكرامة، وبينَ مَنِ تبنّى حَملَ الظّلمةِ دافِعاً بالوطنِ تحتَ أَعباءِ الغُبارِ لتَضييعِ حقيقتِه. هؤلاءِ فاتَهم، عن قَصدٍ أو عن غباوة، أنّ لبنانَ عِرقٌ نورانيٌّ في خِصبِ الزّمن، وهو الصّوتُ الذي يتمادى معه الإصغاء، وهو الفرحُ الذي على غيرِ رَعشَة، وتَجسيدٌ باقٍ لأعجوبةٍ تَعصى على العَتم. لبنانُ ليسَ كلمةً، إنّه عَظَمَتُها، وليسَ سِحراُ، إنّه إِدهاشُه، وليسَ لَحناً، إنّه شلاّلُ آهاتِه.

فيا أيّها الطَّفَرَةُ الى جُرودِ الكَذِبِ لتَدخلوا معه في سَلاسِل، لم تنفعْ، معكم، إِعلاماتٌ وُظِّفَت لتَذكيرِكم بالعودةِ الى الأُصولِ الوطنيّةِ والسلوكيّة، وهي إعلاماتٌ صادقةٌ لا أَصباغَ فيها، ولا تَكَلُّفاً، ولا تَعَمُّلاً. ذلك لأنّكم دائمو التوثّبِ الى قَوالِبِ الشَّوكِ، غيرُ مشدودينَ الى أرض، لا تشكِّلونَ إِلفاً للصّدق، ملاصِقون لرغباتِ الغريب، وحقيقتُكم طَلاسِم. إعلَموا أنّ وطنَنا لم يكنْ ليُضِيءَ له نهار، لو لم يكن بينه وبينَ المُناضِلينَ الشُّرفاءِ زمان، هؤلاءِ الذين تركوا في خَدِّ الوطنِ، من قَطرِ دَمِهِم، نُدوباً، فرثى الوطنُ واحدَهم بخَطِّه:

كأنِّيَ لم أُفجَعْ بِفُرقَةِ صاحبٍ وَلا غابَ عن عَيني، سِواكَ، حَبيبُ

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل