المملكة تربة كرم

لقد استمَعنا، منذ أيّام، الى خبرٍ مَذمومٍ، والى تصريحاتٍ لم تعرفْ حدّاً، وكلُّها تصبُّ في موضوعٍ واحدٍ هو تهريبُ ممنوعاتٍ قبيحةٍ الى المملكةِ العربيةِ السعودية، لإِتلافِ السّلامةِ، وضَعضَعةِ الحكم.

في التّحليلِ النَّظَري، تُصَنَّفُ الأَحداثُ، كما الشخصيّات، تِبعاً لأهميّتِها وتأثيرِها، سَلباً أم إيجاباً، فنقرأُ عن حدثٍ تاريخيّ، وعن خطأ تاريخيّ، فالتاريخُ لا يغفلُ عن شيء، ولا يُهمِلُ واقعةً، مهما كانت هامشيّة. من هنا، لا يمكنُ، على الإِطلاق، تَسخيفُ ما جرى، ويجري، لأنهُ عالِقٌ في أذهانِ النّاسِ، وفي صفحاتِ الزّمن، وثيقةً مُدَوَّنةً تُحفَظُ ولا تَفنى، فتَبيَضُّ لها وُجوهٌ، وتَسوَدُّ أُخرى.

في الوقائع، لقد سطّرَ أولئكَ المَوبوءونَ المَختومونَ بالموبِقاتِ، والمُلَوَّثونَ بالدَّنايا، بسلوكِهم المُتَدَهوِرِ أخلاقيّاً، ووطنيّاً، وإنسانيّاً، اغتيالاً سافِراً للرابِطِ المَتينِ بينَ المملكةِ الكريمةِ ولبنان. وهو فِعلٌ ينمُّ عن تَدَنٍّ دراماتيكيٍّ لمقاييسِ الأخلاقِ، وعن تَسليمِ صواعقِ الخَطَرِ لقافلةٍ من الشّبابِ العربيِّ، لتنزحَ بهم الى خلَلٍ يطاولُ سلامتَهم النفسيّةَ والصحّيّةَ، وربّما، تقودَهم الى شَهقةِ الموت.

لقد فرضَت قبائلُ التّهريبِ والقتلِ على لبنانَ حصاراً قبيحاً، هو حلقةُ اتّصالٍ بينَ التآمرِ والعَمالة، ما أَقامَ حَفلَ تأبينٍ للوطن، ومشروعَ تَعَفُّنٍ، لشَعبِه، في أقبيةِ الإنحطاط. والأَدهى أنّ الخانِعينَ البَلَديّينَ يهلِّلونَ، مُعتَبِرينَ القَيِّمينَ على التّرهيبِ، بالسّلاحِ، وبالمخدّرات، قد مَنَّ بهم اللهُ نعمةً على البَشَر، فيقتضي الإِنتفاعُ بها لِنَيلِ الحَظوةِ، في الدّنيا وفي الآخرة.

وقد تناسى البَلَديّونَ مَكروهو الصِّفات، أنّ المملكةَ العربيّةَ السعوديّةَ فتحَت قلبَها، منذُ عُقودٍ بعيدة، للّبنانيّين، الى أيِّ مَشرَبٍ انتَمَوا، مُدمِنةً التَّرحيبَ، والإِحاطةَ، والتَكَفُّلَ، فلم يشعرْ واحدٌ منَ الذين وَفَدوا إليها بأنّه غريبٌ، أو مَكروهٌ، أو طارِئ. فالمملكةُ، على مدى قيادِيّيها، مُلوكاً، وأمراءَ، ومسؤولينَ، لم تتردَّدْ في توفيرِ الحصانةِ والضّمانةِ، ومُختارِ العيشِ الرّاغِدِ، ومجالاتِ العملِ، في حلبةِ الدّولةِ، ما جعلَ اللّبنانيّينَ يمتلكونَ ورقةً تنتهي بهم، حتماً، الى الرِّبح.

أمّا الذين يحملونَ، تُجاهَ المملكةِ وعاهلِها، شعاراتٍ خشبيّةً مَقيتة، فلتسويقِ بضاعةٍ مزوَّرَةٍ فاسدة، تهدفُ الى ضَربِ نسيجِ الودِّ بينَ شَقيقَين، ونَسفِ مقوّماتِ الفوائدِ التي لطالما حَظِيَ بها لبنانُ، دولةً، وشَعباً، من فُرَصِ عملٍ، ومساعداتٍ، وتَقديماتٍ مشكورةٍ لم يستدرِجْ أصحابُها، يوماً، مَدحاً أو مِنَّة. إنّ هذا التَّشليعَ المُغرِضَ الهجين، لحيثيّةٍ موثوقةِ المرجعيّة، كالمملكة، بإدخالِ مخدِّراتٍ قاتلةٍ الى حَرَمِها، لَهو نموذجٌ مَمهورٌ بخيانةٍ موصوفةٍ للوطن، وعمالةٌ رخيصةٌ تستحقُّ الرَّجم، وجُرحٌ ثَخينٌ لشَعبٍ لم يبقَ له، مَورداً لدَفعِ ذلِّ الجوع، سوى تحويلاتٍ أكثرُها من السّعوديّة.

لطالما التقى لبنانُ بالمملكةِ مرتاحاً الى كَرَمِها، قبلَ أن تنشأَ فيهِ دويلةُ الميليشيا، ودولةُ المافيا، اللَّتان دمَّرتا مصالحَ النّاس، وأدارَتا جرائمَ التّهريبِ، والفسادِ، وتَشويهِ السَّمعةِ، واتلافِ العلاقاتِ العربيّةِ والدوليّة، ما حشدَ كمّاً من الكوابيسِ التي تفرَّسَت في نفوسِ المَقهورين، فامتصَّت لَونَهم رُقَعُ اليأس. لقد التصَقَ بهؤلاءِ “الإِخشيديّينَ” المَذمومي الجُبلةِ، تَشَوّهاتٌ قَبيحَةٌ قَيَّدَت أَملَ النّاسِ بالخذلان، وتَوقَ الوطنِ للأَفضلِ بالإِحباط، وحاولوا أن يَخمِشوا، قصداً، فروسيّةَ كِبارٍ في نُبلِهم، فباتَ جَليّاً ما ينطَوونَ عليهِ من تآمرٍ يسعى لفَرضِ طلاقٍ بين الوطنِ وبينَ مجالاتِ عافيتِهِ ونُهوضِه.

الذهنيّة الميليشوية التي تجرُّ خَلفَها مافيا الحكم، فتَّتَتِ البلاد، وفكّكَت مؤسّساتِها، وهدَّدَت كيانَها بالزّوال. وليس ذلكَ سوى مؤامرةٍ لإِلغاءِ الوطن، بِطَيِّ صفحةٍ ناصعةٍ من وجودِهِ وعلاقاتِه، وطَلْيِ قبرِهِ بالكِلسِ ليُسجَنَ فيهِ الى الأبد. ولكن، هناكَ أُناسٌ، في لبنانَ وفي دُوَلٍ تَستَطيبُ التّعاملَ مع شَعبِ لبنان، وفي مقدّمِها المملكةُ العربيّةُ السعوديّة، لن يتركوا لمُعَسكراتِ القتلِ، أن تَنحرَ الوطنَ، وتَستَقويَ على مصيرِهِ بالإِرهاب، وتُبدِّلَ أُخوَتَهُ بمَشبوهين، فلسَوفَ يَضخُّ عَصَبُ الكرامةِ والتّحالُفِ مع الأَشقّاء، وبنضالٍ لا يتراجَعُ، قدرةً في جسمِ الوطنِ المَعطوب، لتعودَ إليهِ حيثيّةٌ قابِلةٌ للحياة. وفي اللهِ، والإرادةِ، نورٌ وفِعل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل