13 نيسان 1975- 13 نيسان 2021 هل انتهت الحرب؟

كتبت بيار بو عاصي في “المسيرة” – العدد 1716

13 نيسان 1975- 13 نيسان 2021 هل انتهت الحرب؟

أين كنتُ، أين أصبحت؟

تتطلّب الحرب جهوداً جبّارة يقوم بها الافراد نيابةً عن الجماعات، متخطّين كافة المحاذير والمحظورات، فيقتُلون ويُقتَلون، حالمين بغدٍ أفضل، وغالباً ما ينتهي الى لا شيء.

من فتوحات الإسكندر ويوليوس قيصر، الى الحروب النابوليونية والحربين العالميتين، تنتهي الحروب وتعودُ الأمور كما كانت والشعوب حيث كانت، منشغلة بدفن من قضى وبإعادة إعمار ما تهدم.

يمجِّدُ التاريخ كبار الفاتحين وينسى من يستحقّ التكريم أي صغار المدافعين عن أرضهم ووطنهم وناسهم.

كانت للحرب اللبنانية عناوين كبرى، طوى الزمن أو أعاق العجز أكثرها.

حمل السلاح الفلسطيني معه الوطن المنشود أينما حلّ وغالباً في المكان الخطأ خصوصًا حينما حلّ في لبنان.

دعمه البعض دعماً باطلاً لقضية محقة فتشتَّتت القضية وتفتَّت لبنان.

بعد الموت والدمار عاد الفلسطينيون الى قضيتهم وعاد من مات أو استمات في سبيلها الى لبنانه، خائباً أو متناسياً.

وتكرّر الأمر مع السوري والإسرائيلي والإيراني.

تغيّرت الإحتلالات والتدخلات الخارجية ولم يتغيّر إنخراط الداخل في صراعاته الداخلية والخارجية.

المصالحات الشكلية لا تغسل القلوب بل الأيادي من آثار دماء جففتها اللامبالاة.

أمراء الحرب كذبة كبيرة تُستعمَل للتنصّل من المسؤولية. الأمير يولد أميراً، أما القائد فيُصبح قائداً إما لرتبته أو لكفاءته، وفي كلتا الحالين لا حربَ من دون متحاربين ومن دون بيئةٍ حاضنة. تهدف عبارة أمراء الحرب لتبرئة المقاتلين والبيئة الحاضنة وحصر المسؤولية بشخص واحدٍ مذنب بطبيعته، منذ الولادة، كالأمير.

كنتُ لم أبلغ العاشرة من عمري حين وقع علينا وقع الصاعقة خبر سقوط جوزف بو عاصي، إبن العمّ كميل، شهيدًا في عين الرمانة. كان ذلك في ١٣ نيسان ١٩٧٥. شعرتُ بأنني أصبحتُ مهدداً لأن جوزف «القبضاي» كان يوحي لي بالأمان. ولم يمرّ يوم منذ ذلك التاريخ شعرتُ فيه بالأمان التام في وطني.

في آذار ١٩٧٦ كنّا في حمّانا، على بعد عشرات الأمتار من ثكنة المغاوير. عاد لي الأمان. الى أن اجتاحت القوات المشتركة، اللبنانية والفلسطينية المتن الأعلى، مرتكبةً المجازر في كل قرية ومنها مسقط رأسي العبادية وحمّانا. لم يحرّك الجيش اللبناني يومها ساكناً، فانهار الشعور بالأمان الى غير رجعة. منذ ذلك اليوم أتعايش مع القلق وأتخطى حاجز الخوف، من دون أمان.

وكرّت سبحة المآسي وانخرطت في صفوف «القوات اللبنانية» عام ١٩٨٥.

دافعت عن نفسي وعن ثقافتي وهويتي وأرض أجدادي. بكيتُ رفاقاً أحببتهم. خفتُ على رفاقٍ ما زلت أحبّهم. تهيّبت المسؤوليات الكبرى لصغر سنّي وقلّة خبرتي ولكني تحمّلتها بكل طاقتي وكل جديتي مع إدراكي بأنهما غير كافيتين.

اليوم وبعد ٤٦ عاماً على ١٣ نيسان ١٩٧٥ ما زلتُ مسكوناً بهاجسين تحكّما بحياتي وكافة خياراتي. هاجس أن أبقى وفيًّا لتضحيات الشهداء وهاجس أن أعمل كل يومٍ لبناء دولةٍ تُشعِرُ الناس بالأمان كي ينطلقوا نحو تحقيق ذواتهم والسعي لسعادتهم الشخصيّة والجماعيّة.

من عالم المدرّعات والطيران الى الغربة الطويلة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والنيابة تتعدّد الظروف والأدوات ويبقى المطلوب واحد: بناء لبنان ليكون وطن الإنسانية والإنسان، يشبه شعبه ويحضنه.

ويبقى السؤال الذي يقضّ نفسي: هل اقترب وطني مما حلمتُ به وناضلتُ من أجله في ظل انتهاك السيادة المستمرّ والانهيار الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق، والشلل السياسي المريع؟ هل تحقق شيء من لبنان الذي أريد؟

الجواب كلا بالطبع. والمرارة كبرى ولا شك. والخجل أمام دماء الشهداء ودموع أمهاتهم لا يُطاق.

ولكن الأوطان مسارات قبل أن تكون محطات.

على الدرب سائرون برأس مرفوع وكفٍّ نظيف وتواضع من يُدركُ قيمة الأثمان.

ومع كل إشراقة شمس أُجدِّد العهد وأنطلق نحو حلم يسكنني، حلم لبنان، مساحة سعادة وأمان وازدهار للإنسان.

كل ما عدا ذلك لا يعنيني، منذ ١٣ نيسان ١٩٧٥.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل