غلب الموت بلا أي خوف

لعل أكثر المواضيع الجدلية منذ صلب يسوع على الصليب حتى اليوم، ما حصل في كرم الزيتون قبل تسليم يسوع نفسه للجنود، جدلية خوف يسوع من العذاب والصلب وربما الموت، والتي يبررها المؤيدون لهذه النظرية بأن يسوع هو إنسان كامل وبالتالي يخاف من العذاب والموت مثلنا تماماً.

سنحاول مقاربة هذا الموضوع بطريقة منطقية تساعدنا قليلاً على فهم هذه المُعضلة التي لا تزال غير محسومة وغير مفهومة حتى اليوم.

أساس موضوع خوف يسوع من الموت يُختصر بصلاته في بستان الزيتون ومناداته لإلهه على الصليب.

معظم اللاهوتيين يعتبرون أن صرخة يسوع على الصليب لم تكن موجهة الى الآب بفعل عتب أو استعطاف، لأنه واضح في العديد من الآيات تأكيد يسوع بأنه والآب واحد، وهو في الآب والآب فيه، واللاهوت لم يفارق الناسوت، لا قبل الموت ولا أثناءه ولا بعده، وهذا يدحض نظرية البعض الذي يقول إن الآب حجب نظره عن الابن لأنه كان يحمل على الصليب خطايا العالم أجمع.

لماذا إذاً هذا النداء، إلهي إلهي لماذا تركتني؟

علينا أن نعرف أولاً أن نص التوراة في تلك الأيام لم يكن مقسماً الى فصول وآيات وإنما الى مقاطع يُدَلّ عليها بالكلمة الأولى أو العبارة التي يبدأ بها المقطع المقصود.

يبدأ المزمور 22 بعبارة إلهي إلهي لماذا تركتني؟ وهذا المزمور، وعدد كبير من اصحاحات العهد القديم، يتكلم عن ذاك اليوم بالذات وكل ما مرّ به يسوع من المحاكمة الى الصليب الى العذاب المبرح الذي كان يتحمله وكيف ثقبوا يديه ورجليه…

إذاً، واضح أن يسوع وهو على الصليب كان يريد لليهود الذين يهزؤون به، أن يقرأوا ما جاء في كتبهم عن هذا اليوم بالذات وما رأوه بأعينهم، ليتأكدوا أنه هو المسيح المنتظر. فلو كان المسيح خائفاً أو عاتباً، لما كان طلب قبل دقائق وجيزة من أبيه بأن يغفر لجلاديه الذين لا يدرون ماذا يفعلون.

نعود الى كرم الزيتون عندما كان يسوع يصلي ويتكلم مع أبيه.

ينفرد لوقا في الإصحاح 22-44 بالإشارة الى أن يسوع عندما كان يصلي كان عرقه ينزل كقطرات دم على الأرض، بينما يُشير متى في الإصحاح 26-39… ومرقس 14-35… بأن يسوع طلب من أبيه أن تُبعَد عنه هذه الكأس لثلاث مرات متتالية ولم يتكلم أي منهم عن عرق أو دمّ.

المهم، ما هي هذه الكأس التي دفعت يسوع بأن يعرق دماً ويطلب أن تعبر عنه، ليس مرّة واحدة، بل ثلاث مرات، ما يعني أن هذه الكأس لا يمكن تحمل شربها حتى من ابن الله!

هل حقاً هي كأس العذاب والآلام التي سيتحملها على طريقه الى الصليب؟ أم أن يسوع قصد بالكأس موضوع آخر مختلف كلياً؟

من الصعب جداً التأكيد أو الحسم بهذا الموضوع، وسنحاول قدر الإمكان اتباع منطق الإنجيل لدحض النظرية التي تقول إن الكأس هي الآلام، ومن خلال الإنجيل أيضاً سنحاول استنباط ما هي الكأس التي يتكلم عنها يسوع.

نقرأ في إنجيل لوقا 12/4 ومتى 10/28 قول يسوع، لا تخافوا من الذي يقتل الجسد، بل من الذي لديه سلطان أن يُلقي النفس في جهنم.

فهل يمكن ليسوع أن يوصي أحباءه بألا يخافوا من الذي سيخاف هو منه؟ وهو يعلم علم اليقين كما قال لأتباعه أيضاً إنه ماضٍ الى الآب، أي أن روحه لا سلطان لأحد عليها!

ألم يقل لتلاميذه ما أشد ضيقي حتى تتم معموديتي؟ ألم يقل لهم عشية آلامه، شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم؟ ثم، ألم يرفض الخلّ على الصليب والذي يُعطى عادة لتخفيف آلام المصلوب؟

يقول يسوع في يوحنا 15-13، ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبائه. وقد رأينا كيف تجلى هذا الحب في خضم العذاب ووسط الآلام المبرحة بمسامحة الذين صلبوه، مسامحة مفعمة بالحب اللامتناهي جاءت في صُلب المعاناة، لا قبلها ولا بعدها.

فهل تردد يسوع 3 مرات في محبته اللامتناهية ومشروعه الخلاصي لنا؟ هل كان في كرم الزيتون في صراع وتردد بين خلاصنا وتركنا في جحيم خطايانا؟

وإذا سلّمنا أنه ارتضى بهذا الأمر بناءً على مشيئة أبيه، فهل هذا يعني أن حبه لنا ليس عظيماً كما قال في يوحنا 15؟ هل أن كل عمله الخلاصي جاء رغماً عنه وبناءً على طلب أبيه فقط؟ وفي هذه الحالة، أليس علينا أن نعتبر أن حبه لنا هو حبّ أقل من عادي وليس هذا الحب الأعظم؟ ألا يعني هذا أننا نؤمن بإله خائف من التألم من أجلنا؟

كل هذا المنطق لا ينطبق على يسوع الذي أحب خاصته الذين في العالم الى المنتهى، وقد طبعت المحبة كل مسيرته الخلاصية على الأرض وخالية من أي خوف من الألم والموت، وهذا يؤكده يوحنا في رسالته الأولى 4/18، لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف الى خارج لأن الخوف له عذاب وأما من خاف فلم يتكمل في المحبة.

إذا ما هي هذه الكأس؟

رأينا آنفاً عدم جدوى نظرية الخوف من أن الآب سيحجب نظره عن يسوع وهو على الصليب، أما النظرية الأقرب الى المنطق فهي في الآيات التي تتكلم عن الدينونة.

عندما نقرأ إنجيل يوحنا الفصل 5/24-30، يشرح كيف أن مَن يأتي الى المسيح له الحياة الأبدية والآب أعطاه سلطان الدينونة ودينونته عادلة.

يقول بولس الرسول في رسالته 2كو5/10، لأننا لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع، خيراً كان أم شراً.

الله الآب الذي أحب العالم وبذل ابنه الوحيد من أجلهم، أعطاه سلطان الحياة ليحيي مَن يقبل إليه وسلطان الدينونة ليدين الأشرار ويجازي بالعدل كل إنسان بحسب أعماله.

هذان السلطانان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً ببعضهما وبالصليب. فيسوع على الصليب الغارق بدمائه وآلامه وجسده الممزق بالجراح هو فادي البشر ووهبهم الخلاص والحياة الأبدية.

ويسوع ذاته المتألم بجراحه العميقة التي كشفت النوايا الشريرة عند البشر بقتل شخص بريء وبار وخالٍ من الخطيئة، هو المسيح الديان الذي سيدين كل إنسان بحسب أعماله.

فيسوع الذي أتى لخلاصنا لم يتردد يوماً في بذل ذاته من أجلنا، وهذه رسالته التي أتى من أجلها، لكنه تردد في قبول كأس دينونتنا بعد قيامته من بين الأموات، لأن خلاص البشر هو فرح عظيم له، أما أن يدين البشر ذوي النفوس التائهة والشريرة، فهذا يسبب الحزن الكبير والعميق له.

ربما يكون ما حصل مع المسيح في كرم الزيتون هو بسبب أحكام الدينونة لأن الآب أعطى كل الدينونة للابن، وهذا الأقرب الى الواقع، لكن يمكن أن يكون هناك سبب آخر لم نكتشفه بعد، أما الأكيد، هو أن يسوع لم يخف لا من العذاب ولا من الموت، فهو مُدرك لرسالته منذ تجسده ولم يعرف الخوف أبداً بسبب حبه اللامتناهي لنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل