Site icon Lebanese Forces Official Website

الحرب في لبنان قرار صعب بأدوات سهلة

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1716

الحرب في لبنان قرار صعب بأدوات سهلة

سلاح الحزب واختراقات خطوط التماس حرب في زمن السلم

 

عندما اندلعت الحرب في لبنان ربيع العام 1975، لم يكن في بال أحد أنها ستستمر خمسة عشر عامًا وأنها ستحصد مئات آلاف الضحايا وستجتاح لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه دماراً وخراباً وويلات وتهجيراً. لقد طال أمد الحرب كثيراً، لأن لبنان كان في حينه على تماس مع المعسكرين الغربي والشرقي وبين دولتين من الأعتى عسكرياً وعقائدياً، فضلاً عن كونه شكل مشروعاً لوطنٍ بديل أخاف الجار الشقيق أكثر مما أخاف الجار العدو، وشكل بتنوّعه فرصةً لتدخلات وتشابكات خارجية شتى، فضُرب المثل بالحرب اللبنانية، وقيل الكثير في اللبننة، علمًا أنها تضمنت حروباً عدة متفرّعة وجولات كانت كل بحدّ ذاتها حربًا فعلية.

 

ولذا جرى الكلام على حرب السنتين وحرب المئة يوم وحرب زحلة وحرب العلم وحرب المخيمات والحروب الإسرائيلية على غرار سلامة الجليل وعناقيد الغضب، وصولاً إلى حربي التحرير والإلغاء.

في روزنامة الحروب الحديثة، أي مع التطوّر السريع في ترسانة السلاح من طيران وغواصات ودبابات وصواريخ، فإن من استطاع إمتلاك الأسلحة الأقوى وليس الجيوش الجرارة فحسب، إستطاع حسمها في وقت أقصر من المعهود، لكن إمتلاك الأطراف المتصارعة قدرات متوازية تقريباً جعل الحروب تطول وتقضي على أعداد هائلة من البشر، ما أسس لما يُعرف بتوازن الرعب والذي تجلّى لاحقاً في الحرب الباردة على خلفية الإمتلاك المتبادل للسلاح النووي.

فالحرب العالمية الأولى إستمرت أكثر من أربع سنوات وثلاثة أشهر، والحرب العالمية الثانية إستمرت نحو ستة أعوام، والحرب الكورية نحو ثلاثة أعوام، أما حرب فيتنام فاستمرت نحو عشرين عامًا (1955-1975) ولكن على مرحلتين المرحلة الأولى هي مرحلة التدخل الفرنسي والثانية مرحلة التدخل الأميركي.

وفي الشرق الأوسط إستمرت حرب الخليج الأولى أو الحرب العراقية ـ الإيرانية نحو ثمانية أعوام (1980-1988) وأودت بحياة مليون ومئتي ألف شخص. أما حرب الخليج الثانية، فأودت بأكثر من مئة ألف، فضلاً عن الصراع المستمر في أفغانستان وحروب الربيع العربي من سوريا وليبيا إلى اليمن.

أما آخر الحروب الفعلية، فجرت في إقليم ناغورنو كاراباخ الأرمني ضمن أراضي آذربيجان فسقط فيها بضعة آلاف من الضحايا.

والملفت أن معظم الحروب تنتهي بتحرير شعب ما أو وطن ما أو فئة ما أو منطقة ما، أو باستقرار أو بمصالحة أو بتنقية الذاكرة أو بإعادة توازن مفقود مع هدوء النفوس وانكفاء الأحقاد.

أما عندنا فالمسالة مختلفة. فمنطق الغالب والمغلوب والمنتصر والخاسر تغلّب على منطق التوافق والمصالحة الفعلية، وهذا ما تكرّس في السلم الأهلي المُفخخ وتفاقم في ظل الوصاية السورية وفي ظل الوصاية الإيرانية البديلة عبر سلاح «حزب الله».

ومن هنا اعتبار كثيرين أن الحرب في لبنان لم تنتهِ بعد، وإن توقفت عسكرياً، فهي مستمرة بوسائل شتى وأشد إيلاماً أحياناً، فضلاً عن تداعياتها على غرار إستمرار بلدات عدة في حكم المهجّرة أو المهجورة، أو على غرار إستمرار مهزلة الكهرباء منذ نهاية الحرب، علماً أن آثار الحرب ما زالت ماثلةً في أكثر من منطقة شهدت فرزاً سكانياً. وثمة من لا يزال يُصرّ أحياناً على التذكير بخطوط التماس من خلال افتعال إختراقات على غرار ما تتعرّض له عين الرمانة أحياناً من الشياح، أو على غرار محاولات تغيير ديموغرافي كما حصل في الحدث، أو على غرار تخويف المسيحيين من العودة الى مناطق معينة في الجبل، بالإضافة الى حملات منهجية لشراء الأراضي في مناطق جنوبية وبقاعية بالدرجة الأولى.

اليوم، يحلو للبعض أن يستحضر الحرب العسكرية وأن يستعيد لغة الحرب ومنطق الحرب في الخطاب السياسي وفي الشارع، علماً أن قرار الحرب ليس سهلاً ولا يكفي أن يعلنه طرف واحد، إذ يحتاج الى أكثر من طرف كما يحتاج الى ما يشبه ضوءاً أخضر خارجياً إقليمياً وبالأخص دولياً.

والضوء الأخضر يتمثل باعتبار لبنان أرضاً لتصفية حسابات إستعصت على السياسة والدبلوماسية والاقتصاد أو على ساحات أخرى، وقد يتمثل في دعمٍ صريح لطرف معين بهدف الهيمنة، أو قد يبرز بمجرد التغاضي عن قرع طبول الحرب وهو ربما يمثل الحالة الأسوأ كما حصل للبنان.

لكنّ الأهم يبقى في مدى قدرة الأحرار على كسر المعادلات، وهذا ما تمكنت «القوات اللبنانية» مع بشير الجميل بشكلٍ خاص من إرسائه، ولا سيما بعد معركة زحلة عبر تكريس خطوط تماس حول ما كان يُعرف بالمنطقة الشرقية وهي خطوط عسكرية في الأساس تم ترسيخُها سياسياً واعتُبرت خطوطاً حمراً ممنوع تجاوزها.

في الدستور اللبناني قرار الحرب والسلم يعود إعلانه الى مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين، لكن قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة هو الذي يثير الخطر الجدي. ومن المعروف أن أسهل الأمور في خيار الحرب هو الحصول على السلاح. فالسلاح متوافر في السوق الدولية بكميات هائلة، علماً أنه لم يتغيّر كثيراً عما كانه في العام 1975، والدليل ماثل في الحروب والصراعات التي ما زلنا نشهدها في بلدان عدة مع تسجيل تطورٍ واحد نوعي على الأقل وهو إستخدام الطائرات المسيّرة التي فعلت فعلها في كاراباخ وفي اليمن.

الصعب في لبنان حتى إشعار آخر هو الجرأة على إعلان المواجهة وتوافر مناخ دولي لها. أما السهل فهو الحصول على السلاح الذي تتكرر مشاهده كما أسلفنا من الكلاشنيكوف والإم سكستين والآربيجي والهواوين والدوشكا والـ500 والمضادات الى المدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، وما يزيد على ذلك يشكل إضافات نوعية في حال توافر الدعم من دول معينة على غرار إيران بدعمها الحوثيين في اليمن وتركيا بدعمها أذربيجيان وحكومة طرابلس الغرب في ليبيا.

ولا يخفي العالمون ببواطن الحروب أنه بمجرد طلب السلاح يمكن توافره خلال أسابيع قليلة وبكميات كبيرة، على أن السلاح النوعي المتوافر في لبنان خارج إطار الشرعية يملكه «حزب الله»، أما السلاح خارج هذا الإطار فهو فردي في الغالب، على أن أي محاولة من الحزب للجوء إلى القوة في الداخل لن تمر مرور الكرام، لأن إرادة المواجهة عند اللبنانيين لن تختلف عن إرادتهم في المواجهة في مطلع الحرب عام 1975، مع التأكيد أن التورط في أي حرب أمر مرفوض لدى مختلف شرائح الشعب اللبناني الذي خبر الويلات الماثلة بتداعياتها حتى الآن.

أنطوان مراد –  مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​

Exit mobile version