في الكواليس الدولية الأولوية لمن؟

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1716

في الكواليس الدولية الأولوية لمن؟

الى الانتخابات… در!

 

دخل لبنان في فراغ ما بعده فراغ بعد وصول الجميع إلى شبه قناعة راسخة بأن الحكومة لن تتألّف، وخطورة الفراغ هذه المرة أنه في حال استمراره سيقود البلد إلى الإنهيار الشامل والإنفجار وارتطام هيكل الدولة بالأرض، فهل من مخارج لهذا الوضع المقفل؟

بدأت الدوائر الديبلوماسية في عواصم القرار العربية والغربية تعيد النظر بموقفها من موضوع تأليف الحكومة في لبنان بعد أن اصطدمت كل مساعيها بجدار التعنُّت، حيث لم تفلح زيارات المسؤولين الأجانب والعرب وفي طليعتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كسر حلقة الفراغ، ولا تحذيراتهم المتكررة من خطورة عدم التأليف على الإستقرار اللبناني، وما زال صدى كلام وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عن اختفاء الدولة في لبنان وزوالها يتردد بقوة في كل الأوساط وعلى أوسع نطاق، كما أن التلويح بالعقوبات الأوروبية على معرقلي التأليف لم يبدِّل في مواقف هؤلاء المعرقلين.

والحرص الدولي على الإستقرار اللبناني مرده إلى ثلاثة أسباب أساسية:

السبب الأول يتعلّق بالحرص الفعلي على لبنان وتجنُّب انزلاقه إلى فوضى تطيح بالأخضر واليابس ومن دون طائل، لأن حلّ الأزمة اللبنانية خارجي الطابع ومعلّق على مستقبل الدور الإيراني، ومن الأجدى المحافظة على الستاتيكو بانتظار جلاء الصورة الخارجية عوضا عن تخريب البلد في تكرار لمشهد الحرب الأهلية.

السبب الثاني يتصلّ بأزمة النزوح التي سيفجرِّها أي تفجير عسكري في الوقت الذي تمتنع فيه القوى الدولية عن استقبال المزيد من اللاجئين، ولكنها ستصبح أمام أمر واقع جديد تفضِّل عدم الوصول إليه وإبقاء لبنان مساحة مستقرة تجنِّبها مواجهة أزمة نزوح لبنانية وسورية وفلسطينية.

السبب الثالث يرتبط بالتعكير على مسار المفاوضات الدولية – الإيرانية والأميركية – الإيرانية والتشويش عليها، فضلا عن الخشية الدولية من تمدد هذه الحرب، وتوسيع رقعة الشرخ اللبناني – اللبناني، خصوصًا أن تعقيدات الوضع اللبناني على المستويين الطائفي والسياسي قد تصعِّب الحلول لاحقا وتعقِّدها.

وانطلاقا من الأسباب أعلاه وغيرها بدأ البحث الدولي الجدي في كيفية تجنيب لبنان الفوضى عن طريق خيار آخر بعيدًا عن تأليف الحكومة بعد الوصول إلى قناعة أن التأليف غير ممكن بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري، ومع تعذُّر إستقالة الأول واعتذار الثاني دستوريا، فإن البحث انتقل للمرة الأولى في الكواليس الدولية إلى الانتخابات النيابية المبكرة، لأن الخيار الآخر الذي خضع بدوره للدرس وتمّ ترحيله إلى مرحلة لاحقة يتمثّل بطرح البطريرك بشارة الراعي الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي، والسبب في ترحيل هذه الدعوة اليوم مرده إلى اعتبارها ترتقي إلى التسوية النهائية التي لم يحن أوانها بعد ويتم ربطها دوليًا مع المفاوضات الجارية مع طهران، خصوصًا أن إحدى مشاكل لبنان الأساسية تتعلّق بـ»حزب الله» ودوره وسلاحه، وحلّ هذه المشكلة التي تمنع قيام الدولة وتبقي لبنان ساحة مرتبطة بالحلّ الإقليمي أكثر من ضروري، لأنه من دون حلّها سيبقى لبنان في دوامة الفشل.

ومع استبعاد عواصم القرار خيار المؤتمر الدولي الذي لا حلّ للقضية اللبنانية سوى من خلال انعقاده في الوقت المناسب وإعادة تأكيده على القرارات الدولية وضرورة تطبيقها وإعلان حياد لبنان الذي من دونه لا إستقرار ولا دولة، فإن الحل الوحيد المتبقي داخل كواليس هذه العواصم يكمن في الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة في لبنان بما يجنِّبه الفوضى والخراب ويبقيه مستقرًا ضمن المرحلة الإنتقالية على مستوى المنطقة في ظل تعذُّر فصل لبنان عنها، والسعي بالمقابل إلى تجنيبه المحظور في هذه المرحلة.

ولكن ماذا لو رفضت القوى المحلية التجاوب مع الرغبة الدولية بالإنتقال من أولوية التأليف إلى أولوية الانتخابات، وذلك على غرار رفضها التجاوب مع الرغبة والضغوط لتأليف الحكومة، فأي مصير سيلقى لبنان؟ وفي هذا السياق بالذات قالت مصادر ديبلوماسية لـ»المسيرة» إن بعض عواصم القرار تخوض مواجهة التأليف الأخيرة مع المسؤولين اللبنانيين عن طريق التلويح بالانتخابات المبكرة من أجل دفع هؤلاء المسؤولين إلى التنازل لمصلحة تشكيل حكومة، إنطلاقا من معرفة هذه العواصم أن معظم القوى السياسية لا تريد الانتخابات وتفضِّل التأليف على خوض انتخابات لا تستطيع أن تضمن نتائجها مع التحوّل الكبير في مزاج الرأي العام.

وكشفت هذه المصادر أنه في حال فشل هذه المحاولة الأخيرة لحث المعنيين بتشكيل الحكومة على إنهاء الفراغ، فإن ورقة الانتخابات المبكرة ستصبح على الطاولة الدولية، لأن القرار الدولي حتى الساعة تجنيب لبنان الحرب التي يصعب التحكُّم باتجاهاتها لاحقاً ويريد تلافي تداعياتها وتحديدا في مسألة النزوح، خصوصًا أن الانتخابات بالنسبة إلى هذه الدول تشكل مخرجًا طبيعيًا لكل دولة ديموقراطية تواجه أزمات وطنية وسياسية ومالية وانسدادًا في الحلول السياسية.

وقالت المصادر إن خيار الانتخابات المبكرة أصبح جديًا لأنه في حال لم تتألّف الحكومة فإن الإنهيار سيصبح حتميًا، وفي حال عدم التجاوب مع الضغوط الدولية للتأليف أولا والانتخابات ثانيا، فسينتقل البحث الدولي نحو الخيار الأخير وهو التدويل، ولكن هذا الخيار لن يتم اللجوء إليه سوى بعد انزلاق لبنان إلى الفوضى، ما يعني أن إحتمال الفوضى لن يكون مستبعدًا في حال لم تفلح الضغوط ومساعي الفرصة الأخيرة، فسيترك لبنان لقدره ومصيره قبل أن يُصار إلى إعادة انتشاله مجددًا وبشروط دولية خالصة.

وأكدت المصادر أن المجتمع الدولي لن يسمح بسورنة لبنان، أي بجعل الحرب مفتوحة، ومن يظن أن الحرب ستفتح أمامه آفاقا سياسية لم يستطع فتحها سياسيًا مخطئ للغاية، لأن المجتمع الدولي سيُعاقب فريق السلطة الذي رفض كل المبادرات والحلول وجرّ لبنان إلى الحرب، وستشكل الفوضى مناسبة لفصل لبنان عن إيران في رسالة يبدو أنها وصلت إلى مسامع طهران بأن العبث بالوضع اللبناني لن يمرّ، وأن كلفة الحرب ستكون فصله عن أزمة المنطقة.

وبالتوازي مع أجواء المصادر الديبلوماسية وتحول تركيزها من الحكومة إلى الانتخابات في ظل قناعة بأنه حتى لو تشكلت الحكومة فإن احتمالات نجاحها صعبة للغاية مع إنعدام الثقة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، فإنه لا يجوز أن تتخلى القوى السياسية المحلية على اختلافها عن مسؤولياتها وترك لبنان ينزلق إلى الفوضى، إنما المطلوب من هذه القوى أن تحذو حذو «القوات اللبنانية» بتبني خيار الانتخابات المبكرة كحلّ وحيد ومخرج أوحد تلافيا للإنهيار الشامل الذي أصبح، ويا للأسف، حتميًا بسبب سياسات الفريق الحاكم، ومن لديه خيار آخر لتلافي المحظور، فليتفضّل بتقديمه، وإلا فإلى الانتخابات درّ..

شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل