



كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1716
المعتقلون في أقبية النظام… «دخيلكُن ما تنسونا!!»
ماتت أم بشارة وقبلها السلطة القاتلة لشعبها
ميرندا كرم العرم، أرملة المرحوم بشارة رومية، «أم بشارة» عطيتكن عمرا. تصدّرت هذه النعوة بعض صفحات مواقع التواصل الإجتماعي. مين يعني أم بشارة؟! أم بشارة هي لا أحد، ولا شيء في مفكرة الدولة المجرمة، هي نكرة، لأن أم بشارة هي والدة بشارة! طيب ومين بشارة؟ أيضًا لا أحد، لا شيء، مجرد رقم باهت في روزنامة الأيام السوداء، هو قد يكون أصبح جرذاً أو فأراً أو تراباً في أقبية سفاح الشام، أقبية بشار الأسد ولا من يسأل أو يهتم!
الى هذه الدرجة الحقيقة مؤذية مهينة موجعة. معتقلونا في أقبية السفاح، يموتون، ونعرف بموتهم صدفة أو بالتواتر ولا من يسأل ما بهم، أينهم، ما حالهم، أما زالوا أحياء؟ أما زالوا بشرًا يعيشون نمط الحياة الطبيعية، أم حوّلهم مجرم الشام الى حيوانات مذعورة في ظلامها؟! أهالي المعتقلين يموتون تباعًا على دروب الإنتظار المروّع، يموتون شهداء الحقيقة، شهداء الإحتلال السوري المقيت، شهداء هذه السلطة التي لم تعرف سوى أن تمعن في تعذيبهم بتجاهلها لأسمى القضايا، المعتقلون، شهداء الألم والضيق اللامتناهي لأنهم لا يعرفون ماذا يطلبون من ربهم، الرحمة لأبنائهم الموتى، أم عودتهم الى وطنهم من أقبية الموت؟!
سنوات طويلة قضتها أم بشارة من «زعيم» لزعيم، من نائب لوزير لمسؤول، من عنجر الى الشام، من عميل الى عميل، من محتل لآخر، علّها تعرف خيطاً ما، قبساً ما عن إبنها، بعدما كانت تأكدت أنه حي، طالبوها بالأموال كما سواها من أهالي المعتقلين، إبتزوها، عذبوها، جرّحوا فيها كل أمل، كل رجاء، ولم تبالِ، بقيت في إيمانها أنها ستجد ابنها، ستعرف أينه، ستلاحقه الى أقصى أقاصي الألم لتسترده، أو على الأقل لتمده ببعض حياة ولو من خلف القضبان، ولم تفعل، وماتت، ماتت كما مات قبلها المئات من الأمهات والأباء، مضرّجين بوجعهم على أحبائهم، ومع ذلك لم تلتفت الدولة مرة واحدة إليهم. لم تسألهم يومًا عن أحوالهم، ولم تسأل ذاك النظام المجرم على رغم زيارات المسؤولين «الكبار» الكبار في عمالتهم لهم، عن أبناء الوطن، «ما في معتقلين لبنانيين بسوريا» يقولون دائمًا، وقالها آخر مرة حسن نصرالله وكذلك ميشال عون، لما زار بشار الأسد وعيّد معه عيد مار مارون في براد!!!
منذ نحو السنة، صدر عن الكونغرس الأميركي ما يُعرف بـ«قانون قيصر» الذي يطالب بمعرفة مصير المعتقلين والمفقودين في السجون السورية، كما يفرض القانون عقوبات تشمل المتعاملين مع النظام السوري، منذ توقيع الرئيس الأميركي على القانون في 20 كانون الأول 2019، وكذلك المسؤولين اللبنانيين الذين يقصّرون في متابعة قضية المفقودين في السجون السورية. ثمة من يقول إن عدد المتبقين منهم نحو 628، ومنهم من يجزم أنهم أكثر بكثير بكثير. ومع تجاهل الدولة لأحد أخطر الملفات الوطنية الإنسانية، كان لـ«القوات اللبنانية» صولات وجولات في هذا المجال، وإن كانت حتى اللحظة تصطدم بشكل فجّ ووقح، بعراقيل السلطة اللبنانية من جهة، وطبعاً برفض «حزب الله» المعرقل الرئيس لفتح هذا الملف.
«ما عم نحكي بكيفية إستفادة لبنان من «قانون قيصر» إنما من السبل لـ ممكن نعرف من خلاله مصير مفقودينا. التطور الوحيد النوعي لـ حصل هو إصرارنا على إصدار قانون العام 2018 يتعلق بالمخفيين قسرًا ونص على إلزامية تشكيل هيئة متابعة، لكن الأمر لم يحصل كما لم يحصل أي تحرك من بعدها. لجان كثيرة شُكلت ولم نصل الى أي نتيجة، الإجراءات الفعلية والعملية يجب أن تأخذها الحكومات، لكن للأسف ولا مرة ولا مرة تجرأت أي حكومة، ومنذ سنين حتى اليوم ، على التطرّق لهالموضوع الخطير والمحق، والأمل الوحيد المتبقي لدينا، أو التحرك الجدي الوحيد لـ ممكن ينعمل هو الوساطة الدولية، أو عبر الأمم المتحدة، غير ذلك لن نصل الى أي مكان»، يقول النائب جورج عقيص الذي يستغرب أداء السلطة اللبنانية في هذا المجال،علمًا أن «بامكان الدولة اللبنانية تقديم طلب تسليم الى سوريا يتضمن أسماء جميع الأشخاص الذين لدينا إثبات من أي نوع كان، أو مجرد شكوك بأنهم مخفيون في السجون السورية، فلماذا لم يقدم هكذا طلب حتى الآن؟ علما أن تقديمه يستند الى أحكام الإتفاقية الدولية، وفي حال عدم تجاوب سوريا، يمكن عندها تقديم إدعاء عليها أمام محكمة العدل الدولية باعتبار أن الإتفاقية الدولية تنص صراحة على أن الإخفاء القسري هو جريمة ضد الإنسانية تخضع للقانون الدولي» يقول عقيص وهو يعرف مسبقا أن تلك السلطة لن تقدم يومًا على طلب مماثل!
حزب «القوات اللبنانية» الذي لم يتوقف يومًا، ومنذ سنين، عن المطالبة بفتح هذا الملف، ويكاد أن يكون الحزب الوحيد في المطالبة الجدية لمعرفة مصير المعتقلين، وكان منذ سنتين سلّم رسالة من الدكتور سمير جعجع للموفد الخاص للأمم المتحدة، غير بيدرسون، حول قضية المعتقلين والمخفيين قسراً في سجون النظام السوري إنطلاقا من مبدأ أن هذه القضية لن تصل الى خواتيمها إلا عبر المؤسسات الدولية. لكن ما حصل في تموز الصيف الماضي، أدخل قضية المعتقلين في اتجاه مغاير قليلاً لما هو سائد، إذ ضجت أروقة العدل في لبنان بادعاء قضائي غريب وفريد من نوعه، وشهدَ ولأول مرّة على أول تحرك قضائي لبناني ضد بشار الأسد، بتهمة خطف مئات المواطنين اللبنانيين واعتقالهم وإخفائهم في سجونه. بلاغ مدوٍ تقدمت به «القوات اللبنانية» عبر النائب إدي أبي اللمع، ورئيس حركة التغيير المحامي إيلي محفوض، أمام المحامي العام التمييزي في بيروت القاضي غسان الخوري، وبعد أيام من هذا البلاغ المستند على «قانون قيصر» أدلى المدعيان بشهادتهما أمام القضاء.
«لا يجب أن تموت هذه القضية» يقول رئيس حركة التغيير ايلي محفوض الذي كان شارك منذ عامين في مؤتمر عُقد في معراب عن ملف المعتقلين «بلكي مع الوقت حصل تغيير إقليمي ما، ممكن يضغط بهالإتجاه ونتوصل لمعرفة مصير معتقلينا، لازم نضل نذكّر العالم بهالقضية الكبيرة وندفع بهالإتجاه. ثمة إشارات، صحيح ضعيفة، لكنها تؤكد على وجود معتقلين ما زالوا أحياء، ونحنا اعتبرنا إنو الصليب الأحمر الدولي هو الوحيد القادر فعلا أن يتصرف، فأرسلنا كتاباً الى جنيف بهذا الخصوص، إذا كانوا المعتقلين ماتوا لا سمح الله بدنا رفاتهم، وإذا كانوا أحياء من حقنا نعرف مصيرهم، والأهم إنو لازم نضل نفتح هالملف ونحكي عنو كي لا يموت وينتصر منطق السلطة الحالية التي تتعمّد نسيانه، لأنه يشكّل أكبر إدانة لها وللسلطات السابقة، لكن لا الأهالي نسيوا ولا نحنا رح ننسى وسنتابع حتى النهاية» يؤكد محفوض.
«الله أكبر، الكويتي لا ينسى المعتقلين» تكبير يومي كانت تبثه دولة الكويت، لما كانت في حرب مع العراق، وتمكن يومذذاك الرئيس الراحل صدام حسين من أسر ’لاف الكويتين في سجونه. فكانت الدولة تذكّر مواطنيها يوميًا بالمعتقلين كي لا تدخل قضيتهم النسيان، وطبعا تمكنت لاحقاً من تحرير الجميع بعد توقف الحرب.
«نحنا وينن معتقلينا، وينن يا عالم؟ وين الدولة من قضيتهم؟ حكامنا زعران وهيدي مش دولة هيدي مزرعة للفاسدين المجرمين» يصرخ بحرقة علي أبو الدهن، رئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين المحررين من السجون السورية، هو من ذاق مرارة الإعتقال في أقبية بشار الأسد، وذاق التعذيب والإذلال مع رفاق كثر، منهم من تحرّر مثله بعد سنين طويلة طويلة، ومنهم ما زال في مجهول الظلام وذاك النظام القاتل «عشرات العسكريين إلنا بذمة سوريا مين سأل عنهم؟ حسن نصرالله وميشال عون بينكروا وجود كل المعتقلين وكل الدلائل تشير الى وجود أحياء. ما تبقى عندنا لا وزير ولا نائب ولا مسؤول ولا جمعية ولا حكومة أو برلمان إلا واتصلنا بهم وعملنا تحركات هون وهونيك وفي الخارج، بيستقبلوننا وبيتعاطفوا معنا بالحكي ولما نخرج من عندهم بينسوا الموضوع وبيتضحكوا علينا، لا ضمير لا إنسانية لا وطنية. عشرات الأمهات مُتنَ بخيمة الإسكوا، وأخريات مُتنَ بصمت مريع بـ بيوتن، وما حدن سألهن سؤال، أو أرسل إليهنّ باقة ورد، أقفلت الخيمة، وراح لـ راح وبعدن بينكروا وجود معتقلين، شو هالعيب، شو هالعار» يقول أبو الدهن.
من المعروف أن ثمة لجنة رسمية شكلت العام 2018 لمتابعة ملف المعتقلين، لجنة لا مركز لها لتجتمع، ولا سلطة فعلية لديها للتصرف، لا موازنة من قبل الدولة ولا أي إهتمام أو نشاط، لجنة شبه مشلولة كأن الدولة شاءت أو تعمّدت تأليفها، لحفظ ماء الوجه فقط لا غير «هاللجنة لا تمثيل لنا فيها، ولا تمثلنا على الإطلاق. حاولوا أن يخلطوا فيها أكتر من ملف، مفقودي الحرب والمفقودين بسوريا ولبنان وغيرو، فقط لتمويه الملف وتذويبنا، بيدّعوا أن ثمة 17 ألف مفقود، من وين هالرقم الخنفشاري؟ كل ما يريدونه بهالسلطة هو تمييع قضية المفقودين بسوريا وإسكاتنا نهائيًا لإرضاء بشار الأسد وحسن نصرالله، وطالما هالعهد مستمر وهالسلطة لـ حاكمتنا حاكمتنا، ما في أي أمل، لكن ما رح نسكت، رح نحمل هالقضية معنا لأبد الآبدين، وعلى الإعلام إنو يحمل راية المفقودين يوميًا يوميًا يوميًا، ونحنا من جهتنا ما رح نتراجع» يقول أبو الدهن بمرارة بالغة، ولا ينسى عمرا تلك اللحظة حين خرج من الإعتقال، حين كان يقف عند باب الزنزانة بين الحرية والجحيم، وضع أسير لبناني يده على كتفه، وبعيون تقارب الموت قال له «دخيلك ما تنسانا»…
على جلجلة انتظارها ماتت أم بشارة، ومات قبلها عشرات الأمهات والآباء، وقبل الجميع ماتت تلك السلطة القاتلة لشعبها، سلطة تمعن في النكران، سلطة تحولت جلادًا لا يعرف الرحمة، سلطة تمعن بوقاحة غير مسبوقة، بنكران أخطر الملفات الوطنية الإنسانية، المفقودون في أقبية تعذيب سفاح الشام، فقط لترضي احتلالا وعملاء وفاسدين. ماتت أمهات وآباء على طريق الإنتظار، ما زال كثر أحرار أحياء سيبقون في الصراخ والمطالبة بأحبائهم، بالنسبة لهؤلاء السلطة ميتة، جيفة بشعة تفوح منها روائح النتن، لأن الضمير فيها مات. والأهالي حتى اللحظة، يقفون عند باب تلك الزنزانات المظلمة، يربتون على أكتاف العالم كله «ما تنسوا المفقودين بأقبية الأسد»..
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
