مفاعيل 7 أيّار 2008

سُرَّ حزب الله وحلفاؤه بتسوية الدّوحة التي مكّنتهم من ترسيخ سيطرتهم دستوريًّا على الدّولة من خلال إرساء عرف الثلث المعطّل، تحت تسمية الضامن، بذريعة استرجاع حقوق المسيحيّين. وشهدنا منذ ذلك الحين نوعًا جديدًا من الديمقراطيّة، اصطلحت على تسميته في كتاباتي بـ”الديمقراطيّة التعطيليّة”. وكنتيجة لهذه الممارسة وصلنا إلى حكومة من اللون الواحد يتحكّم فيها حزب الله، فضلا عن رئاسة جمهوريّة أخذها حليفه بعدما فرض عامين ونصف العام من التعطيل، إضافة إلى رئاسة مجلس نوّاب تشكّل معه ثنائيّة افتراضيّة.

هذا كلّه شكّل نهج الحكم الذي ساد مرحلة ما بعد السابع من أيّار. وقد تثبّت هذا النّهج أكثر بعد تصريح سليماني على أثر الانتهاء من انتخابات 2018 النيابيّة، إذ أعلن وقوع بيروت رسميًّا تحت سيطرة الحرس الثوري الايراني. وهكذا صارت الثنائيّة الحقيقيّة تيّار عون/ حزب الله هي الحاكمة الفعليّة في البلاد. ونتيجة لتكريس الهيمنة الايرانيّة بعد انتخابات 2018 تمّ تغطية ممارسات الحزب مقابل أن يفتح المجال لفرض الرؤية السياسية للتيار في الدّولة. فشكّلا معًا المنظومة السياسيّة الحاكمة وعوض أن يفرضا نهجًا إصلاحيًّا جديدًا كما ادّعى التيار طيلة ممارساته السياسيّة شكّلا معًا الغطاء المشترك لممارساتهما غير الشرعيّة.

من هذا المنطلق، قبل معالجة النتائج الكارثيّة التي أوصلنا إليها الثنائي الحقيقي الحاكم، وجب معالجة الأسباب. وهذا لا يمكن معالجته إلا بتصحيح المسار الذي سلكه مخطّط سليماني ونصرالله في السيطرة الديمقراطيّة على الدّولة اللبنانيّة. وتجدر الاشارة إلى أنّ خطط الحرس الثوري الايراني تمّ تطبيقها في العواصم الأربع بحسب البيئة الموجودة في العاصمة. ففي اليمن شكّلت الحرب الذريعة، وفي العراق الفوضى المنظمة، وفي سوريا عبر الوسطاء وبالمشاركة المباشرة. أمّا في لبنان ولأنّ البيئة اللبنانيّة التعدّديّة لها خصائصها فاستعمل الحرس الثوري الدّيمقراطيّة وسيلة للسيطرة وبالتحايل عليها بالترغيب، كما حصل في 6 شباط 2006، أو بالترهيب كما حصل في 7 أيّار 2008.

والمفارقة هذه السنة أنّ هذه الثنائيّة لم تذكّرنا بأمجاد هذا اليوم كما درجت العادة في كلّ سنة. فلم نرَ أيّ إعلان أو إعلام يذكّر بهذا النّهار ولا حتّى أيّ منشورات إلكترونيّة على وسائل التواصل الاجتماعي. يبدو أنّ الحزب بات في حالة عجز على مواجهة بيئته، أو على الأقلّ في الشارع المسيحي، الذي تراجعت نسبة تمثيل هذه الثنائيّة فيه إلى 15% بحسب شركات الاحصاءات. أمّا في البيئة الشيعيّة فيكفي ملاحظة أداء الحزب في كمّ الأفواه الحرّة.

هذه المأزوميّة التي وضعت فيها هذه الثنائيّة الحاكمة نفسها بنفسها باتت لا تطاق في حتّى بيئتيها: المسيحيّة (التيار الوطني الحرّ) والشيعيّة (حزب الله). ومن هذا المنطلق لحظنا هذه السنة هذا الانكفاء عن التذكير بها. ولعلّ ذلك يندرج في سياق طمأنة اللبنانيّين بأنّ هذه التجربة قد انتهت مفاعيلها ولن تتكرّر. ولكن ذلك كلّه لا ينفع لأنّ الأوضاع الاقتصاديّة الانهياريّة لن تستقيم في لبنان إلا باستقامة هذا الاعوجاج السياسي الذي أُنتِجَ في 7 أيّار.

وذلك لن يتحقّق إلا بعودة الأولويّة إلى المشروع السيادي التي لو بقيت لما تجرّأ الاعلام الأصفر على ضخّ عودة الاحتلال السوري إلى لبنان تحت ذريعة عدم أهليّة الشعب اللبناني بحكم ذاته بذاته. كم هم سخيفون هؤلاء الذين يبثّون هذه الشائعات لكأنّ أهليّة السلطة في سوريا بأن تحكم شعبها متوفّرة! فليحكموا سوريا أوّلاً وليعودوا لبثّ هكذا شائعات. ويظنّ هؤلاء أنّ أيّ سابع من أيّار جديد ولو بإخراج غير لبناني سيكون هذه المرّة من دون مواجهة مباشرة. وهذا ما ليس من مصلحة لا الحزب ولا حليفه. وهذا ما يُسقِط زيف هذه الأقاويل كلّها.

عودة المشروع السيادي إلى الواجهة هي باكورة الحلّ السياسي الذي سيكون المدخل للحلولو كلّها من بعده. وعدا ذلك، كلّ ما يطرح يندرج في سياق شراء الوقت واللعب في الوقت الضائع. وإلى حينه سيبقى لبنان في ثلاجة الانتظار حتّى تسقط هذه الذرائع وحتّى تترتّب الأولويّات من جديد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل