حرب المرافئ من بيروت الى السويس… Sold out

كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1716

قبل أسابيع توقفت الملاحة البحريّة في قناة السويس لمدة أسبوع، بسبب عطلٍ طرأ على السفينة «أوفر غرين»، أثناء عبورها القناة بين مدينتَي السويس وبور سعيد ما تسبّب بخسائر ماديّة كبيرة لشركات النقل البحريّة العالميّة، وخسائر ماليّة أكبر للدولة المصريّة. فما أهمية دور هذه القناة في التجارة البحريّة الدوليّة؟ وما هو دورها في الإقتصاد المصري؟ وهل «شاخت» القناة في ظلِّ تطوّر النقل البحري، ليجري البحث عن بديلٍ عنها أو مكمِّلٍ لها في المستقبل

تُعتبر كلفة التبادل التجاري عبر البحار منذ قرون، الأقل من بين كل أنواع التبادل الجوّي أو البرّي (طرقات وسكك حديد) بين القارات، نظراً لضخامة حمولة وسيلة النقل البحري دفعة واحدة، ومحدوديّة وارتفاع كلفة النقل الجوّي والبرّي. فشكَّلت البحار المسرح الأوسع لهذا التبادل عبر القرون، كما ارتفعت وتيرة هذا التبادل، مع إنفتاح الدول والشعوب، وتعزَّزت صناعة السفن التجاريّة، وكان للمسافات البحرية بين الدول والقارات، دورها في تحديد تكاليف النقل البحري، فعمدت الشركات إلى اختزال المسافات باستحداث الأقنية، خصوصاً بين عالمَين ناشطَين في حينه: بين الهند وشرقي آسيا من جهة، وأوروبا وأميركا الشماليّة من جهة أخرى. فكانت فكرة قناة السويس التي تربط البحر الأحمر في الجنوب بالبحر الأبيض المتوسط في الشمال، والتي استغرق إنجازها عشر سنوات بين العامَين 1859 و1869 فوق أرض مصر، لتلعب دوراً أساسيًّا في تقصير المسافات البحريّة بين هذين العالمَين وكل شعوب الأرض التي تعيش شمالي خط الإستواء، كما أضافت إلى مصر دوراً استراتيجيًّا أساسيًّا في اللعبة الدوليّة.

 

مواصفات وامتيازات

تختصر قناة السويس المسافة البحريّة (على سبيل المثال)، بين مدينة «مومباي» في الهند ومدينة «أمستردام» في هولندا، من 24000 كلم بالدوران حول أفريقيا، إلى 13400 كلم عبر قناة السويس، موفِّرةً بذلك 11000 كلم أي ما يوازي أسبوعين من الإبحار، فتخفِّف بذلك تكاليف النقل البحري على الشركات التجاريّة. لم تكن قناة السويس عندما افتُتِحت تملك الطاقات التي تملكها اليوم لناحية عمق مياهها أو عرضها، فقد جرى تطويرها وتوسيعها مراراً مع تطور التجارة البحريّة، وضخامة السفن التجاريّة لتشكل اليوم نسبة 14 في المئة من التجارة البحريّة، لكنها تبقى محدودة بالمعطيات التالية :

1-يبلغ طول القناة 193 كلم بين مدينتَي بور سعيد شمالاً على المتوسط، والسويس جنوباً على البحر الأحمر

2- يصل عمق القناة إلى 24 متراً بحيث لا يمكن للسفن الضخمة التي يتجاوز غاطسها ال22 متراً والتي يتجاوز وزنها 220 ألف طن أن تعبر القناة. من هنا تتخِّذ الصناعات البحرية العالمية suez max كمقياس لتحديد صناعة السفن.

3- يراوح عرض القناة بين 285 مترًا و345 مترًا في حدِّه الأقصى.

4-  تُستخدم القناة باتجاه واحد إما ذهاباً أو إياباً بعد توقف 24 ساعة على الأقل في البحر الأحمر أو المتوسط، مع وجود محطات للإنتظار في بحيرات عامر والتمساح الطبيعيتين اللتين تخففان قليلاً من وقت الإنتظار.

تُعتبر قناة السويس المصدر المالي الثالث بالعملة الصعبة للخزينة المصرية بحوالى 6 مليار دولار سنويًّا للدولة المصريّة من إيجار عبور السفن ال19 ألف التي عبرتها في الإتجاهين عام 2020 أي بمعدل 50 سفينة يوميًّا. والدولة المصريّة  تعمل على تحسين خدمات القناة لترفع دخلها إلى 13 مليار دولار في حدود العام 2025. وكما تُعتبر القناة حيوية بالنسبة لمصر، كذلك هي حيوية أيضاً بالنسبة للتبادل التجاري البحري بين دول العالم. فعندما أقفلت القناة لثماني سنوات بين العامَين 1967 و1975 بسبب الحرب بين مصر وإسرائيل، عانت التجارة البحريّة الدوليّة صعوبات كثيرة، وازدادت كلفة بعض مواد النقل البحري للسفن التي يقلّ وزنها عن 220 ألف طن، إذ أصبحت مجبرة على الدوران حول أفريقيا لتنتقل بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية، فازدادت كلفة الإبحار لأسبوعين إضافيين لكل سفينة.

 

البحث عن بديل

بارتفاع وتيرة التبادل التجاري البحري بين الدول، ومحدودية خدمة القناة بالسفن بحجم suez max، أي التي تزن مع حمولتها أقل من 220 ألف طن، واقتصارها على السير باتجاه واحد فقط، وضعت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في بداية الستينيات من القرن الماضي، تصوُّراً لقناة بديلة أو مكملة لقناة السويس، تبدأ في خليج العقبة المتفرِّع عن البحر الأحمر من مرفأ إيلات الإسرائيلي، وتصل إلى الشاطئ الإسرائيلي على البحر المتوسط، بطول 295 كلم فوق أراضي النقب الإسرائيليّة. طبعاً القناة المقترحة تسمح، بالإضافة إلى حجم السفن التي تعبر قناة السويس، هي تسمح عند إنجازها بعبور السفن العملاقة التي يصل وزنها إلى 500 ألف طن، ومن بينها حاملات النفط الكبرى، وبالإتجاهين، بنفس الوقت ذهاباً وإياباً (أي قناتين منفصلتين ومتوازيتين)؛ بحيث يوفِّر عليها الدوران حول أفريقيا للربط بين أوروبا وأميركا الشمالية وشرقي آسيا، أي الدول الواقعة شمالي خط الإستواء، كما يوفِّر عليها التوقف في البحر المتوسط أو البحر الأحمر لمدة 24 ساعة على الأقل بانتظار دورها في العبور بأحد الإتجاهين.

المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي يحتاج إلى أموال ضخمة ومصارف عالمية كبرى لتمويله والإستثمار فيه. فهو يحتلّ بقعة من النقب بطول 295 كلم وعرض كلم على الأقل للحفر، أي بمساحة 295 كلم مربع، كما يتطلّب حفر هذه البقعة بعمق يتجاوز الخمسين متراً لتأمين غاطس للسفن بعمق 50 متراً. لذا كانت الفكرة لدى الأميركيين أن يستخدموا قنابل نووية من الأورانيوم المستنفد (الذي لا ينتج عنه مضاعفات نووية أو بيئية) لإنجاز هذه المساحة الكبرى من الحفر.

جُمِّد المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في حينه خلال الحرب الباردة، منعاً لتفاقم  الأوضاع في المشرق العربي، المتفاقمة أصلاً يومها، وتأثيره على لعبة التوازن الدولي بين الشرق والغرب.

اليوم، وبعد أفول عصر الحروب العسكريّة الباردة والساخنة، كيف يمكن حلَّ مسألة قناة السويس، لجهة تسهيل وتأمين التبادل التجاري البحري بين الدول بأقلّ كلفة ممكنة؟

في هذا المجال يمكن على صعيد التجارة الدولية تصوُّر حلّين:

الحلّ الأول: تطوير قناة السويس، وذلك بفتح قناة موازية للقناة الحالية، أكثر عمقاً واتِّساعاً، قادرة على استيعاب أكبر السفن التجاريّة والنفطيّة، وعندما تصبح جاهزة للعمل، يُعمد إلى توسعة وتعميق القناة الحالية لتتلاءم مع متطلبات التطوّر. وهكذا يصبح لدى مصر قناتين متوازيتين قادرتين على استيعاب أكبر مقاسات السفن، وعاملتين بشكل دائم في الإتجاهين من دون إضاعة وقت في الإنتظار سواء في البحر المتوسط أو البحر الأحمر.

الحلّ الثاني: فتح قناة جديدة في الإتجاهين بين إيلات في خليج العقبة والبحر الأبيض المتوسط بطول 295 كلم وفقاً للدراسة الأميركية.

المقارنة بين الحلّين تؤكد أن الحلّ الأول هو أقل كلفة بكثير من الحلِّ الثاني، كما أن هذا الأخير قد يتسبّب بمضاعفات سياسيّة كبيرة على علاقة الدولة الإسرائيليّة بالعالم العربي.

في ظلِّ البحث عن تحسين طرق ربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، تحضر أمام كل باحث قضية «صفقة القرن»، التي لم تخرج إلى النور لأنها بقيت أسيرة المخيّلات. فإذا كانت هذه الصفقة صحيحة وجديّة، فإن ذلك يعني أن إسرائيل صرفت النظر عن فكرة القناة البديلة، لأن الصفقة تنصّ على مساهمة إسرائيل في تأمين ممر برّي لمصر يربط بين صحراء سيناء والأردن، أي بين مصر والمشرق العربي، ما يعطي دوراً استراتيجيًّا إضافيًّا للدولة المصريّة في المنطقة، خصوصاً ربط مرفأ الإسكندريّة المصري براً بالمشرق العربي، لجهة الدور الذي يكتسبه هذا المرفأ كمحطة أساسيَّة لتبادل عشرات، وقد نصل إلى مئات ملايين الحاويات بين الشرق والغرب. أما إذا عادت إسرائيل للتفكير بالقناة البديلة، والتي يتطلب تجهيزها مساهمة أكبر مصارف العالم، فإن ذلك يعني أنها تريد إضعاف الدور الاستراتيجي لقناة السويس ومرفأ الإسكندرية، لتتحوَّل هي، أي إسرائيل، إلى المركز المالي والتجاري الأهمّ، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، إنما بين الأهمّ في العالم.

هذا التصوُّر الذي قد تفكر فيه إسرائيل،هو برسم الدولة المصريّة والدولة اللبنانيّة، اللتان تُعتبران الخاسرتين الكبيرتين من هذا المشروع وتأثيره السلبي على مرافئ الإسكندرية، بيروت وطرابلس. فهل يعي المسؤولون اللبنانيون مصالح وطنهم الاستراتيجية، ويعملون على تحقيقها بدل تدمير ما بُني حتى اليوم؟!!!!

وهبي قاطيشه – نائب في البرلمان اللبناني

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل