Site icon Lebanese Forces Official Website

هل بدأ العد العكسي لأزمة المصارف؟

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1716

هل بدأ العد العكسي لأزمة المصارف؟

بين الواقع والمرتجى… هذا ما ينتظركم!

ربما لم يعد للّبنانيين ما يتداولون به غير أخبار الأزمات وتبادل الهموم والقلق على المصير. فحتى أولئك العاملون في القطاع المصرفي ممن كانوا مثالاً للرفاه المعيشي والإستقرار الوظيفي، لم ينجوا من اجتياح القلق ولعنة المصير التي لا يبدو أنها ستستثني لبنانياً من رمادها. وقد أشار تقرير جمعية المصارف مؤخراً إلى انخفاض عدد العاملين في القطاع بنسبة 0.4 في المائة ليبلغ 25908 موظفين، مرجِّحاً أن يتعرّض نصفهم للتسريح. فالقطاع المصرفي الذي كان يُوسَم بصلابته ونجاحه، لم يسلم من سوء طالع أو من سوء إدارة البلد، فكان سقوطه عظيماً. حتى قبل ثورة 17 تشرين كانت بوادر الأزمة تلفح القطاع: أقفلت مصارف تراجعت الودائع وتأثرت فروع خارجية بأزمات البلدان المنتشرة فيها، فكانت الهندسات المالية دواءً وعلّة. وما كانت السحوبات والتحويلات الضخمة للودائع، إلا الشعرة التي قسمت ظهر المصارف. واكتملت الآية بوقف أربعة مصارف مراسلة التعامل مع المصارف اللبنانية… فانهار الهيكل على رؤوس المودعين والموظفين!

حذّرت وكالة «موديز» في تقرير حديث لها من أن فقدان لبنان علاقاته مع المصارف المراسلة سيسرّع تراجعه الإقتصادي. وقالت إن التعدي على الإحتياطيات الإلزامية للبنوك لدى مصرف لبنان في ظل إستمرار مأزق الحكومة سيزيد من المخاطر على البنوك، مما يعرِّض للخطر ما تبقى للبنان من علاقات مراسلة مصرفية. ويقوّض بدرجة أكبر توافر خدمات المدفوعات العابرة للحدود من أجل التحويلات والتجارة والسياحة، وهي من الدعائم الرئيسية للإقتصاد.

وبما أن المصارف المراسلة هي رئة المصارف، فإن وقف تعاملها مع المصارف اللبنانية يعني، بحسب الخبراء، وضعها في مأزق خطير، لأنها لن تستطيع بعدها القيام بعمليات على الصعيد الدولي. وفي حال تمّ إقفال كل حسابات القطاع المصرفي اللبناني لدى المصارف المراسلة، تفقد المصارف اللبنانية دورها في اللعبة الإقتصادية وبالتالي يُصبح وجودها شكليا، أو صندوق سحب وإيداع ووسيلة دفع ليس أكثر، أي أنها تفقد دورها الريادي في الإقتصاد الوطني، ولذلك الكثير من التداعيات.

 

أبعاد المشكلة والحل

بالتوازي كانت تمضي عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي بما يتماشى مع التطورات الحاصلة وبما يؤهله لمواجهة تحديات المستقبل. فتم إقفال عدد كبير من فروع البنوك وبخاصة في مناطق كانت تضم أكثر من فرع لمصرف واحد. وتلقى العديد من المودعين بلاغات في الآونة الأخيرة تفيدهم بنقل حساباتهم من فرع إلى آخر نتيجة الإقفال المتواصل لعدد من الفروع.

وأعلن مصرف لبنان الصيف الماضي عن إنشاء «لجنة إعادة هيكلة المصارف»، وفي أول خطوة على صعيد إعادة الهيكلة، طلب من المصارف زيادة رأسمالها بنسبة 20 في المائة بحلول نهاية شباط الماضي. كما طلب منها تكوين حساب خارجي حر من أية إلتزامات لدى بنوك المراسلة في الخارج لا يقل عن 3 في المائة من مجموع الودائع بالعملات الأجنبية.

لكن ثمّة من الإقتصاديين من يعتبر أن إعادة هيكلة المصارف بمعزل عن خطة شاملة للإنعاش الإقتصادي، ومعالجة الأزمة السياسية هو كمن يعمل على إطفاء غرفة واحدة في منزل تضرب النيران كل أرجائه. ويشددون على وجوب أن تندرج إعادة هيكلة القطاع المصرفي في سياق إعادة هيكلة البلد ككل. لأنه عدا ذلك فإن الأموال التي أمّنها القطاع أخيراً ستتآكل من جديد. وإذ يستبعدون إقفال أي مصرف في المرحلة الأولى من إعادة الهيكلة، يرجّحون أن يحصل ذلك في المرحلة الثانية. وهذا يعني برأيهم، أنه لا بد أن ينعكس على حجم العمالة المصرفية فيتم اللجوء حكماً إلى خفضها. وحتى لو لم يأتِ خفض الفروع في سياق خطة شاملة، إلا أن كل مصرف يحاول الحفاظ على رأسماله التشغيلي ما يضطره إلى إقفال بعض الفروع من باب خفض المصاريف، الذي يشمل العديد من الجوانب التشغيلية وصولا إلى خفض بعض الرواتب العالية وصرف موظفين.

ومع أن لموضوع صرف الموظفين جانباً إنسانياً ومعيشياً لا سيما في الظروف الحالية، إلا أن الخبراء يرون أن القطاع المصرفي اللبناني كان أصلاً فضفاضاً وأكبر من حاجة البلد ومن حجم اقتصاده. ويعطون مثالاً على ذلك أن عدد المصارف العاملة في لبنان يُقدَّربأكثر من 60 مصرفاً، في حين يبلغ حجم الإقتصاد الوطني اللبناني نحو 48 مليار دولار (هبط الى 25.9 ملياراً في 2020)،علماً أن دولة كسويسرا لا تمتلك أكثر من 10 مصارف، فيما يبلغ حجم اقتصادها 700 مليار دولار. كذلك السعودية التي فيها 30 مصرفاً لاقتصاد نفطي وصناعي هائل. لكن المشكلة أن القطاع يقوم بذلك اليوم لمعالجة آثار الأزمة وليس لمزيد من التنظيم، وبطرق إرتجالية لم تراعِ حقوق الموظفين بالكامل بما يتناسب مع المتغيّرات.

 

الموظفون وتحصيل الحقوق

عقب التداعيات التي أحاطت بالمصارف نتيجة التغيّرات بعد ثورة 17 تشرين، سارع القطاع إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الوقائية. وإن كان أكثرها تأثيراً ما طال المودعين، إلا أن الموظفين لم يَسلموا من تلك المقصلة التي طالت كل الجوانب. ترافقت هذه العملية مع خسارة مئات موظفي المصارف وظائفهم، علما بأن أكثر من ألفين كانوا صُرفوا أصلاً من القطاع نهاية العام الماضي، كما يشيرمسؤول في نقابة موظفي المصارف، الذي تخوّف من أن يصل عدد من سيتم صرفهم قريباً إلى ما لا يقل عن 5 آلاف موظف. وهل حصل المصروفون على حقوقهم؟ يجيب «لقد تأكدنا من حصول الألفي موظف الذين تم صرفهم في الأشهر الماضية على حقوقهم وقد تم ذلك بإشراف وزارة العمل، خصوصاً أننا شهدنا عمليات صرف جماعي في 3 مصارف. ويشير إلى أن العمل ينصب حاليا على زيادة تعويضات من سيتم صرفهم في الفترة المقبلة. ولن تقتصر إعادة الهيكلة على البنك اللبناني للتجارة والإعتماد المصرفي وبنك بيروت والبلاد العربية.

ويضيف أن عدد المصروفين من بنك الإعتماد المصرفي يتخطى نسبة 10 في المئة من موظفيه الذين يُقدَّر عددهم بحوالى 600 موظف، ما يؤشر إلى حجم الأزمة التي يعاني منها القطاع. ويوضح أن إتفاقاً مع البنك اللبناني للتجارة، برعاية وزارة العمل، تم التوصل إليه في 12 كانون الأول المنصرم. إلا أن خلافاً في تفسير بعض مواد الإتفاق فرض اللجوء إلى التحكيم. غير أن ما يُقلِق الموظفين أن عمل النقابة يقتصر على تحسين شروط تعويضات الصرف وليس منعه، لأنه قانونياً لا يمكن للنقابة أن تمنع أي مصرف من صرف موظفين، لكنها تتصدى لاستسهال الحلول على حسابهم.

وفي السياق يتوقع الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، صرف ما بين 7 آلاف و10 آلاف موظف مصرفي من أصل حوالى 25 ألف موظف في القطاع. ويقول: «كان عدد هؤلاء قد ارتفع في القطاع المصرفي بين 2000 و2019، 9,671 موظفاً أي بنسبة 63,6 في المئة. وسجل عام 2017 الرقم الأعلى وبلغ 26,005 موظفين. وأتى عام 2018 ليتراجع العدد 97 موظفاً وعاد وتراجع في 2019 نحو 1022 موظفاً ليبلغ مجموع عدد الموظفين في القطاع المصرفي 24 ألفاً و886 موظفاً. ووصلت كلفة اليد العاملة المصرفية في العام 2000 الى 620 مليار ليرة. وارتفعت في 2019 الى 2,040,4 مليار ليرة، تقسم على الشكل التالي: مليار و349 مليوناً كرواتب و38,7 ملياراً كتعويضات عائلية و222,5 ملياراً كتعويضات نهاية الخدمة و110,8 مليارات كضمان صحي و319,1 ملياراً تعويضات أخرى. ويصف الكلفة بأنها عالية لقطاع شبه ميت. لهذا كان لا بُدّ من الإنطلاق من القوى العاملة. إذ في كل مرة تعيد المؤسسات رسملة نفسها تتوقف عن الإنفاق غير المجدي، والعنصر البشري في كثير من أقسام المصارف لم يعد مجدياً.

يبرر هذه الإجراءات تقليص عدد الفروع المصرفية التي تزيد في كل لبنان عن 1089 فرعاً، إلى ما دون الـ 800 فرع مع بدء المرحلة التنظيمية تمهيداً لإعادة الهيكلة. فالنشاط المصرفي اللبناني تقلّص حوالى 80 في المئة، ولم تعد تعمل أقسام التحاويل الى الخارج وفتح اعتمادات وحركة الشيكات الجارية وغيرها. ومن الطبيعي أن تترافق هذه العملية مع حالات صرف. لكن اللافت أن هناك إغراءات من نوع أنّ من يستحق له مبلغَ صرفٍ معيناً يلجأ بعض المصارف إلى صرفه بسعر الدولار على 1500 ليرة، ويُجمَّد تحت إسمه في المصرف على أن يتقاضى شهرياً السقف المالي الذي يستحقه على سعر المنصة. وهذا ما سبق وطُبِّق في مصارف، بينها بنك البحر المتوسط وبنك بيروت.

الخطِر في ما يتعرض له القطاع المصرفي أن الإدارات تصرف الموظفين غير الرئيسيين والمتقدمين في السن لتخفيف الأعباء، فيما بدأت الهجرة تطال الموظفين الشباب من أصحاب الكفاءات والمراكز الحساسة، إلى أوروبا والخليج، خوفاً من الصرف المفترض في حال إشتداد الأزمة أكثر، وطلباً لمردود مادي أكبر ولاستقرار وظيفي لا تضربه عواصف الأزمات التي تهب على لبنان. فيكون القطاع قد فقدَ الفائض والكفاءات.

 

قانون «الجمهورية القوية»

كما في كل مناسبة وطنية وإنسانية، كان تكتّل «الجمهورية القوية» حاضراً لحفظ الأمانة والدفاع عن الحق. وهو تقدّم بمشروع قانون لتعديل المادة الرابعة من قانون الدمج المصرفي، التي تنصّ على أنه «في حالة الدمج يتمّ التعويض على الموظف بين أقلّه 6 أشهر وصولاً الى 3 سنوات عمل». فاقترح التكتّل «منح الموظف المصروف بهدف إعادة الهيكلة عبر الإستحواذ أو الدمج، على 20 شهراً للسنة الأولى، ثمّ شهرين عن كل سنة خدمة لغاية 36 شهراً».

وقد أكد رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أنه «صدر عن مصرف لبنان تعميم حول دمج المصارف وعلى ضوئه بدأت بعض المصارف العمل على أساسه والبعض الآخر في طور العمل عليه، وفي ظل تعميم المصرف  المركزي، كان من الضروري المحافظة على الحد المقبول من حقوق موظفي المصارف، لا سيما بين موظفي المصارف التي سيتم دمجها». وكشف أن «القانون عمره 28 عاماً، وهو أصلاً القانون 192 والقانون 675، ولكن لم يتم تعديله من سنة الـ1992 في ما خص حقوق الموظفين، وبالتالي كان من الضروري أن نأخذ بالإعتبار الظروف الموجودة اليوم في لبنان لكي نطبّق التعديلات عليه، وعلى إثر الاجتماع مع رئيس نقابة موظفي المصارف أسد الخوري قدمنا إقتراح تعديل القانون».

ولفت عدوان الى أن «أهم التعديلات التي تناولها إقتراح تكتل «الجمهورية القوية» هي لمصلحة الموظفين»، مفصّلاً تعديل المادة الرابعة من قانون الدمج المصرفي حيث: «يوسّع الإقتراح إطار التطبيق بالدمج، ليتطرق الى مسألة الإستحواذ، وعملية وضع اليد من المركزي، وإعادة الهيكلة. والتعديل الثاني يتعلق بالموظفين الذين يستفيدون من التأمين الصحي لمدة سنة كاملة بعد صرفهم. أما التعديل الثالث في تطرق الى التعويض، بحيث يحسب للموظف الفترة التي عمل خلالها في مصرف آخر قبل أو بعد الدمج أو في طور الدمج، من دون انقطاع مصرفي».

وقد لاقى إقتراح القانون هذا إرتياحاً في أوساط موظفي المصارف ومجلس النقابة الذي ثمّن جهود الدافعين به، خصوصاً لجهة تعديل المادة الرابعة من قانون الإندماج المصرفي ليطال كل عمليات إعادة الهيكلة المصرفية في ما خص الموظفين المُستغنى عن خدماتهم. وكانت هناك لقاءات واتصالات مع معظم الكتل النيابية، التي أبدى أعضاؤها كل تفهّم لهواجس الموظفين.

لكن تبقى الجهود والمساعي في مكان، بينما الواقع الصعب للبلد ككل وللقطاع المصرفي تحديداً في مكان آخر. فبعدما كان لبنان مصرف الشرق ومدرسة المصرفيين وقبلة المستثمرين وموضع ثقة العالم، وكان موظفو المصارف أمراء وراء مكاتبهم، تحوّل القطاع اليوم إلى عملاق مريض يتم إنعاشه بالأوكسيجين المصطنع. وهذا ما يدفع إلى السؤال الجوهري والخلاصات المفيدة، لماذا حصل ذلك وكيف؟ ولا يتردد المعنيّون في الإعتراف والتأكيد أن سوء إدارة وتغاضياً حصلا من القطاع والمصرف المركزي في عدد من الجوانب، لكن الرواسب كان يمكن تخطيها لولا أزمة إدارة البلد ككل. فأي مريض في المستشفى يمكن علاجه، لكن عندما ينهار المستشفى تماماً على من فيه، لا يعود الأمر بيد الطبيب المناوب. وهذه حال البلد والقطاع!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​

Exit mobile version